تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأُمَّةِ ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَعْلَامِ الْأَئِمَّةِ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا أَصْلٌ مِنْ أَصُولِ الْعَقَائِدِ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الْمَقَاصِدِ . وَلِهَذَا خَلَا عَنْهَا طَائِفَةٌ مِنْ مُصَنَّفَاتِ هَذَا الشَّأْنِ ، وَامْتَنَعَ مِنَ الْكَلَامِ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ ، وَكُلُّ مُتَكَلِّمٍ فِيهَا مِنْ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ بِعِلْمِهِ ، لَمْ يَخْلُ كَلَامُهُ عَنْ ضَعْفٍ واضطراب . انتهى ، والله الموفق للصواب . فَمِمَّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ : أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِمْ ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ إِبْلِيسُ وَاسْتَكْبَرَ وَقَالَ ، { أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ } ( 1 ) . قَالَ الْآخِرُونَ : إِنَّ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ كَانَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِمْ ، وَعِبَادَةً وَانْقِيَادًا وَطَاعَةً لَهُ ، وَتَكْرِيمًا لِآدَمَ وَتَعْظِيمًا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْأَفْضَلِيَّةُ ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ سُجُودِ يَعْقُوبَ لِابْنِهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ تَفْضِيلُ ابْنِهِ عَلَيْهِ ، وَلَا تَفْضِيلُ الْكَعْبَةِ عَلَى بَنِي آدَمَ بِسُجُودِهِمْ إِلَيْهَا امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِمْ . وَأَمَّا امْتِنَاعُ إِبْلِيسَ ، فَإِنَّهُ عَارَضَ النَّصَّ بِرَأْيِهِ وَقِيَاسِهِ الْفَاسِدِ بِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ الصُّغْرَى ، وَالْكُبْرَى مَحْذُوفَةٌ ، تَقْدِيرُهَا : وَالْفَاضِلُ لَا يَسْجُدُ لِلْمَفْضُولِ ! وَكِلْتَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ فَاسِدَةٌ : أَمَّا الْأُولَى : فَإِنَّ التُّرَابَ يَفُوقُ النَّارَ فِي أَكْثَرِ صِفَاتِهِ ، وَلِهَذَا خَانَ إِبْلِيسَ عُنْصُرُهُ ، فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ ، فَإِنَّ مِنْ صِفَاتِ النَّارِ طَلَبَ الْعُلُوِّ وَالْخِفَّةَ وَالطَّيْشَ وَالرُّعُونَةَ ، وَإِفْسَادَ مَا تَصِلُ إِلَيْهِ وَمَحْقَهُ وَإِهْلَاكَهُ وَإِحْرَاقَهُ ، وَنَفَعَ آدَمَ عُنْصُرُهُ ، فِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِكَانَةِ ، وَالِانْقِيَادِ وَالِاسْتِسْلَامِ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَالِاعْتِرَافِ وَطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ ، فَإِنَّ مِنْ صِفَاتِ التُّرَابِ الثَّبَاتَ وَالسُّكُونَ وَالرَّصَانَةَ ، وَالتَّوَاضُعَ وَالْخُضُوعَ وَالْخُشُوعَ وَالتَّذَلُّلَ ، وَمَا دَنَا مِنْهُ يَنْبُتُ وَيَزْكُو ، وَيَنْمِي وَيُبَارَكُ فِيهِ ، ضِدَّ النَّارِ . وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ ، وَهِيَ : أَنَّ الْفَاضِلَ لَا يَسْجُدُ لِلْمَفْضُولِ - فَبَاطِلَةٌ ، فَإِنَّ السُّجُودَ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَامْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ ، وَلَوْ أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أن يسجدوا لحجر لوجب عليهم الامتثال
هامش
( 1 ) سورة الإسراء آية 62 .