{ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } ( 1 ) ، { بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } ( 2 ) ، { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } ( 3 ) ، { فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } ( 4 ) ، { كِرَامًا كَاتِبِينَ } ( 5 ) ، { كِرَامٍ بَرَرَةٍ } ( 6 ) ، { يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ } ( 7 ) ، { لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى } ( 8 ) .
وكذلك الأحاديث طَافِحَةٌ بِذِكْرِهِمْ . فَلِهَذَا كَانَ الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ أَحَدَ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ أَرْكَانُ الْإِيمَانِ .
وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَصَالِحِي الْبَشَرِ ، وَيُنْسَبُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ تَفْضِيلُ صَالِحِي الْبَشَرِ وَالْأَنْبِيَاءِ فَقَطْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، وَإِلَى الْمُعْتَزِلَةِ تَفْضِيلُ الْمَلَائِكَةِ ، وَأَتْبَاعُ الْأَشْعَرِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ وَلَا يَقْطَعُ فِي ذَلِكَ قَوْلًا . وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مَيْلُهُمْ إِلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ . وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ .
وَقَالَتِ الشِّيعَةُ : إِنَّ جَمِيعَ الْأَئِمَّةِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فَصَّلَ تَفْصِيلًا آخَرَ . وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِمَّنْ لَهُ قَوْلٌ يُؤْثَرُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ بَعْضٍ . وَكُنْتُ تَرَدَّدْتُ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، لِقِلَّةِ ثَمَرَتِهَا ، وَأَنَّهَا قَرِيبٌ مِمَّا لَا يَعْنِي ، وَ « مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرَكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ » .
وَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ ، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ قَدْ تَرَكَ الْكَلَامَ فِيهَا قصدا ، فإن الإمام أبا حنيفة رحمه الله وَقَفَ فِي الْجَوَابِ عَنْهَا [ عَلَى ] مَا ذَكَرَهُ فِي " مَآلِ الْفَتَاوَى " ( 9 ) ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَسَائِلَ لَمْ يَقْطَعْ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهَا بِجَوَابٍ ، وَعَدَّ مِنْهَا : التفضيل بين الملائكة والأنبياء .
هامش
( 1 ) سورة الزمر آية 75 .
( 2 ) سورة الأنبياء آية 26 .
( 3 ) سورة الأعراف آية 206 .
( 4 ) سورة فصلت آية 38 .
( 5 ) سورة الانفطار آية 11 .
( 6 ) سورة عبس آية 16 .
( 7 ) سورة المطففين آية 21 .
( 8 ) سورة الصافات آية 8 .
( 9 ) « مآل الفتاوى » - في كشف الظنون أنه « للإمام ناصر الدين السمرقندي الحنفي أتمه في شعبان سنة 549 » .