هَذَا دَلِيلُ الْفَضْلِ لَا الْأَفْضَلِيَّةِ ، وَإِلَّا لَزِمَ تَفْضِيلُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِنْ قُلْتُمْ : هُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ؟ فَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، بَلْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا قِيلَ لِآدَمَ : « ابْعَثْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ ، يَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِلَى النَّارِ ، وَوَاحِدًا إِلَى الْجَنَّةِ » . فَمَا بَالُ هَذَا التَّفْضِيلِ سَرَى إِلَى هَذَا الْوَاحِدِ مِنَ الْأَلْفِ فَقَطْ .
وَمِنْهُ : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، الْحَدِيثَ . فَالشَّأْنُ فِي ثُبُوتِهِ ، وَإِنْ صَحَّ عَنْهُ فَالشَّأْنُ فِي ثُبُوتِهِ فِي نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ .
وَمِنْهُ : حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « إِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ : يَا رَبَّنَا ، أَعْطَيْتَ بَنِي آدَمَ الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَيَلْبَسُونَ ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ، وَلَا نَأْكُلُ وَلَا نَشْرَبُ وَلَا نَلْهُو ، فَكَمَا جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيَا فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ ؟ قَالَ : لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ : كُنْ فَكَانَ » . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ . وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْأَنْصَارِيُّ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : « أن الْمَلَائِكَةَ قَالُوا » ، الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : « وَيَنَامُونَ وَيَسْتَرِيحُونَ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَا ، فَأَعَادُوا الْقَوْلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا » .
وَالشَّأْنُ فِي ثُبُوتِهِمَا ، فإن في سنديهما مَقَالًا ، وَفِي مَتْنِهِمَا شَيْئًا ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِالْمَلَائِكَةِ الاعتراض على الله مَرَّاتٍ عَدِيدَةً ؟ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . وهل يظن بهم أنهم متبرمون بأحوالهم ، متشوقون إِلَى مَا سِوَاهَا مِنْ شَهَوَاتِ بَنِي آدَمَ ؟ وَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ ، فَكَيْفَ
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 285
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص٢٨٥