فِي ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ خَارِجًا عَنْ ذَاتِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَتَّصِفْ سُبْحَانَهُ بِفَوْقِيَّةِ الذَّاتِ ، مَعَ أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُخَالِطٍ لِلْعَالَمِ ، لَكَانَ مُتَّصِفًا بِضِدِّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو مِنْهُ أَوْ مِنْ ضِدِّهِ ، وَضِدُّ الْفَوْقِيَّةِ : السُّفُولُ ، وَهُوَ مَذْمُومٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، لِأَنَّهُ مُسْتَقَرُّ إِبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ وَجُنُودِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلْفَوْقِيَّةِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ نَفْيِهَا ثُبُوتُ ضِدِّهَا . قِيلَ : لَوْ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لِلْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا ، فَمَتَى أَقْرَرْتُمْ بِأَنَّهُ ذَاتٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ، غَيْرُ مُخَالِطٍ لِلْعَالَمِ ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ ، لَيْسَ وُجُودُهُ ذِهْنِيًّا فَقَطْ ، بَلْ وَجُودُهُ خَارِجَ الْأَذْهَانِ قَطْعًا ، وَقَدْ عَلِمَ الْعُقَلَاءُ كُلُّهُمْ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَا كَانَ وُجُودُهُ كَذَلِكَ فَهُوَ : إِمَّا دَاخِلُ الْعَالَمِ وَإِمَّا خَارِجٌ عَنْهُ ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ إنكار ما هو أجل وأظهر من الْأُمُورِ الْبَدِيهِيَّاتِ الضَّرُورِيَّةِ بِلَا رَيْبٍ ، فَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ إِلَّا كَانَ الْعِلْمُ بِالْمُبَايَنَةِ أَظْهَرَ مِنْهُ ، وَأَوْضَحَ وَأَبْيَنَ . وَإِذَا كَانَ صِفَةُ الْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ صِفَةَ كَمَالٍ ، لَا نَقْصَ فِيهِ ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصًا ، وَلَا يُوجِبُ مَحْذُورًا ، وَلَا يُخَالِفُ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إِجْمَاعًا ، فَنَفْيُ حَقِيقَتِهِ يَكُونُ عَيْنَ الْبَاطِلِ وَالْمُحَالِ الَّذِي لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ أَصْلًا . فَكَيْفَ إِذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ ، وَالْإِيمَانُ بِكِتَابِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ - : إِلَّا بِذَلِكَ ؟ فَكَيْفَ إِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ شَهَادَةُ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ ، وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ ، وَالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الْمُحْكَمَةِ عَلَى عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَكَوْنِهِ فَوْقَ عِبَادِهِ ، الَّتِي تَقْرُبُ مِنْ عِشْرِينَ نَوْعًا :
أَحَدُهَا : التَّصْرِيحُ بِالْفَوْقِيَّةِ مَقْرُونًا بِأَدَاةِ " مِنْ " الْمُعَيَّنَةِ لِلْفَوْقِيَّةِ بِالذَّاتِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } ( 1 ) .
هامش
( 1 ) سورة النحل آية 50 .