تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ " ، وَفِي بعض النسخ " محيط بكل شيء فوقه " [ بحذف الواو ] ( 1 ) مِنْ قَوْلِهِ " فَوْقَهُ " ، وَالنُّسْخَةُ الْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ . وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ . وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ : أَنَّهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَوْقَ الْعَرْشِ . وَهَذِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَسْقَطَهَا بَعْضُ النُّسَّاخِ سَهْوًا ، ثُمَّ اسْتَنْسَخَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ تِلْكَ النُّسْخَةِ ، أَوْ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَرِّفِينَ الضَّالِّينَ أَسْقَطَهَا قَصْدًا لِلْفَسَادِ ، وَإِنْكَارًا لِصِفَةِ الْفَوْقِيَّةِ ! وَإِلَّا فَقَدَ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، فَلَا يَبْقَى لِقَوْلِهِ " مُحِيطٌ " - بمعنى : مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَوْقَ الْعَرْشِ ( 2 ) ، - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - : مَعْنًى ! إِذْ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مَا يُحَاطُ بِهِ ، فَتَعَيَّنَ ثُبُوتُ الْوَاوِ ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ، وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ . أَمَّا كَوْنُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ ، فقال تعالى : { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } ( 3 ) ، { أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } ( 4 ) ، { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } ( 5 ) . وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إِحَاطَتِهِ بِخَلْقِهِ أَنَّهُ كَالْفَلَكِ ، وَأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ دَاخِلُ ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَإِنَّمَا الْمُرَادُ : إِحَاطَةُ عظمته ، وسعة علمه وقدرته ، وَأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَظَمَتِهِ كَالْخَرْدَلَةِ . كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ - إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ . وَمِنَ الْمَعْلُومِ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا إِذَا كَانَ عنده خردلة ، إن شاء قبضها وأحاط قَبْضَتُهُ بِهَا ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهَا تَحْتَهُ ، وَهُوَ فِي الْحَالَيْنِ مُبَايِنٌ لَهَا ، عَالٍ عَلَيْهَا فَوْقَهَا من
هامش
( 1 ) زيادة ضرورية ، لا يستقيم بدونها الكلام . ( 2 ) في المطبوعة : « فلا يبقى لقوله محيط - إلا أنه بكل شيء محيط - بكل شيء فوق العرش » ! ! وهو كلام مختلط ، ليس وراءه شيء يفهم . فصححناه ما استطعنا . ( 3 ) سورة البروج آية 20 . ( 4 ) سورة فصلت آية 54 . ( 5 ) سورة النساء آية 126 .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 259 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء