وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ ) .
ش : أَمَّا قَوْلُهُ : " وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ " . فقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } ( 1 ) ، وقال تعالى : { وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } ( 2 ) . وَإِنَّمَا قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْكَلَامَ هُنَا ، لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ غِنَاهُ سُبْحَانَهُ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَ الْعَرْشِ ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ خَلْقَهُ لِلْعَرْشِ [ وَاسْتِوَاءَهُ ] ( 3 ) عَلَيْهِ ، لَيْسَ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ ، بَلْ لَهُ فِي ذلك حكمة اقتضته ، وكون العالي فوقا للسافل ، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ السَّافِلُ حَاوِيًا لِلْعَالِي ، محيطا به ، [ حاملا ] ( 4 ) له ، [ و ] لا أَنْ يَكُونَ الْأَعْلَى مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ . فَانْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ ، كَيْفَ هِيَ فَوْقَ الْأَرْضِ وَلَيْسَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَيْهَا ؟ فَالرَّبُّ تَعَالَى أَعْظَمُ شَأْنًا وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ عُلُوِّهُ ذَلِكَ ، بَلْ لَوَازِمُ عُلُوِّهِ مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَهِيَ حَمْلُهُ بِقُدْرَتِهِ لِلسَّافِلِ ، وَفَقْرُ السَّافِلِ ، وَغِنَاهُ هُوَ سُبْحَانَهُ عَنِ السَّافِلِ ، وَإِحَاطَتُهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ ، فَهُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ مَعَ حَمْلِهِ بِقُدْرَتِهِ لِلْعَرْشِ وَحَمَلَتِهِ ، وَغِنَاهُ عَنِ الْعَرْشِ ، وَفَقْرِ الْعَرْشِ إِلَيْهِ ، وَإِحَاطَتِهِ بِالْعَرْشِ ، وَعَدَمِ إِحَاطَةِ الْعَرْشِ بِهِ ، وَحَصْرِهِ لِلْعَرْشِ ، وَعَدَمِ حَصْرِ الْعَرْشِ لَهُ . وَهَذِهِ اللَّوَازِمُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الْمَخْلُوقِ .
وَنُفَاةُ الْعُلُوِّ ، أَهْلُ التَّعْطِيلِ ، لَوْ فَصَّلُوا بِهَذَا التَّفْصِيلِ ، لَهُدُوا إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ ، وَعَلِمُوا مُطَابَقَةَ الْعَقْلِ لِلتَّنْزِيلِ ، وَلَسَلَكُوا خَلْفَ الدَّلِيلِ ، وَلَكِنْ فَارَقُوا الدَّلِيلَ ، فَضَّلُوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ . وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } ( 5 ) كَيْفَ اسْتَوَى ؟ فَقَالَ : الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ . وَيُرْوَى هَذَا الْجَوَابُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم .
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت آية 6 .
( 2 ) سورة فاطر آية 15 .
( 3 ) في الأصل : ( لاستوائه ) ولعل الصواب ما أثبتناه ، كما في إحدى النسخ . ن .
( 4 ) في الأصل : ( حائلا ) . والصواب ما أثبتناه ، كما في سائر النسخ . ن .
( 5 ) سورة الرعد آية 2 .