تَعَالَى : { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ } ( 1 ) ؟ وقوله : { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } ( 2 ) . أَيَقُولُ : وَيَحْمِلُ مُلْكَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ؟ وَكَانَ مُلْكُهُ عَلَى الْمَاءِ ؟ وَيَكُونُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ آخِذًا مِنْ قَوَائِمِ الْمُلْكِ ؟ ! هَلْ يَقُولُ هَذَا عَاقِلٌ يَدْرِي مَا يَقُولُ ؟ !
وَأَمَّا الْكُرْسِيُّ فَقَالَ تَعَالَى : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } ( 3 ) . وَقَدْ قِيلَ : هُوَ الْعَرْشُ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُهُ ، نُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِهِ . رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِ صِفَةُ الْعَرْشِ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قوله تعالى : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } ( 4 ) أَنَّهُ قَالَ : الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ ، وَالْعَرْشُ لَا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ( 5 ) . وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ ) . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : قَالَ أبو ذر : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ » ( 6 ) .
وَقِيلَ : كُرْسِيُّهُ عِلْمُهُ ، وَيُنْسَبُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالْمَحْفُوظُ عَنْهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ إِلَّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ جِرَابِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، كَمَا قِيلَ فِي الْعَرْشِ . وَإِنَّمَا هُوَ - كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ - : بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ كَالْمَرْقَاةِ إِلَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دونه ( 7 ) ، محيط بكل شيء وفوقه ،
هامش
( 1 ) سورة الحاقة آية 17 .
( 2 ) سورة هود آية 7 .
( 3 ) سورة البقرة آية 255 .
( 4 ) سورة البقرة آية 255 .
( 5 ) المستدرك للحاكم 2 : 282 ، موقوفا ، وصححه على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي .
( 6 ) تفسير الطبري ج 3 ص 8 طبعة بولاق .
( 7 ) في المطبوعة « وما دونه منه » وزيادة « منه » لا موضع لها ولا معنى هنا . والظاهر أنها من تخليط الناسخين ، ولم يذكرها الشارح حين شرح هذه الجملة .