وَالْعَرْشُ فِي اللُّغَةِ : عِبَارَةٌ عَنِ السَّرِيرِ الَّذِي لِلْمَلِكِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ بِلْقِيسَ : { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } ( 1 ) ، وَلَيْسَ هُوَ فَلَكًا ، وَلَا تَفْهَمُ مِنْهُ الْعَرَبُ ذَلِكَ ، وَالْقُرْآنُ إِنَّمَا نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، فَهُوَ : سَرِيرٌ ذُو قَوَائِمَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ، وَهُوَ كَالْقُبَّةِ عَلَى الْعَالَمِ ، وَهُوَ سَقْفُ الْمَخْلُوقَاتِ . فَمِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ :
مَجِّدُوا اللَّهَ فَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ . . . رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرَا
بِالْبِنَاءِ الْعَالِي الَّذِي بَهَرَ النَّا . . . سَ وَسَوَّى فَوْقِ السَّمَاءِ سَرِيرَا
شَرْجَعًا لَا يَنَالُهُ بَصَرُ الع . . . ين تُرَى حَوْلَهُ الْمَلَائِكُ صُورَا
الصُّورُ هُنَا : جَمْعُ " أَصْوَرٍ " ، وَهُوَ : الْمَائِلُ الْعُنُقِ لِنَظَرِهِ إِلَى الْعُلُوِّ . وَالشَّرْجَعُ : هُوَ الْعَالِي الْمُنِيفُ . وَالسَّرِيرُ : هُوَ الْعَرْشُ فِي اللُّغَةِ . وَمِنْ شِعْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، الَّذِي عَرَّضَ بِهِ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِامْرَأَتِهِ حِينَ اتَّهَمَتْهُ بِجَارِيَتِهِ :
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ . . . وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ . . . وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ . . . مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوَّمِينَا
ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : «
أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ ، إِنَّ ما بين شحمة أذنه إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ » ( 2 ) . وَرَوَاهُ ابْنُ أبي حاتم ولفظه : « تخفق الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ » .
وَأَمَّا مَنْ حَرَّفَ كَلَامَ اللَّهِ ، وَجَعَلَ الْعَرْشَ عِبَارَةً عَنِ الْمُلْكِ ، كَيْفَ يصنع بقوله
هامش
( 1 ) سورة النمل آية 23 .
( 2 ) رواه أبو داود في سننه ، برقم : 4727 .