تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ : « لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ » . وَمِنْهَا : ظُهُورُ آثَارِ أَسْمَاءِ الْحِكْمَةِ وَالْخِبْرَةِ ، فَإِنَّهُ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ، الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا ، وَيُنْزِلُهَا مَنَازِلَهَا اللَّائِقَةَ بِهَا ، فَلَا يَضَعُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَلَا يُنْزِلُهُ في غَيْرَ مَنْزِلَتِهِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا كَمَالُ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَخِبْرَتِهِ ، فَهُوَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ ، وَأَعْلَمُ بِمَنْ يَصْلُحُ لِقَبُولِهَا وَيَشْكُرُهُ عَلَى انْتِهَائِهَا إِلَيْهِ ، وَأَعْلَمُ بِمَنْ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ . فَلَوْ قُدِّرَ عدم الأسباب المكروهة له لَتَعَطَّلَتْ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ ، وَلَفَاتَتْ مَصَالِحُ عَدِيدَةٌ . وَلَوْ عُطِّلَتْ تِلْكَ الْأَسْبَابُ لِمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ ، لَتَعَطَّلَ الْخَيْرُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ ، وَهَذَا كَالشَّمْسِ وَالْمَطَرِ وَالرِّيَاحِ ، الَّتِي فِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ مَا هُوَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يَحْصُلُ بِهَا مِنَ الشَّرِّ . وَمِنْهَا : حُصُولُ الْعُبُودِيَّةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الَّتِي لَوْلَا خَلْقُ إِبْلِيسَ لَمَا حَصَلَتْ ، فَإِنَّ عُبُودِيَّةَ الْجِهَادِ مِنْ أَحَبِّ أَنْوَاعِ الْعُبُودِيَّةِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ . وَلَوْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مُؤْمِنِينَ لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ الْعُبُودِيَّةُ وَتَوَابِعُهَا مِنَ الْمُوَالَاةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْمُعَادَاةِ فِيهِ ، وَعُبُودِيَّةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَعُبُودِيَّةُ الصَّبْرِ وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى ، وَإِيثَارِ مَحَابِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَعُبُودِيَّةُ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ ، وَعُبُودِيَّةُ الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ أَنْ يُجِيرَهُ مِنْ عَدُّوِهِ وَيَعْصِمَهُ مِنْ كَيْدِهِ وَأَذَاهُ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ الَّتِي تَعْجِزُ الْعُقُولُ عَنْ إِدْرَاكِهَا . فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ كَانَ يُمْكِنُ وُجُودُ تِلْكَ الْحِكَمِ بِدُونِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ ! وَهُوَ فَرْضُ وُجُودِ الْمَلْزُومِ بِدُونِ لَازِمِهِ ، كَفَرْضِ وُجُودِ الِابْنِ بِدُونِ الْأَبِ ، وَالْحَرَكَةِ بِدُونِ الْمُتَحَرِّكِ ، وَالتَّوْبَةِ بِدُونِ التَّائِبِ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ مُرَادَةً لِمَا تُفْضِي إِلَيْهِ مِنَ الْحِكَمِ ، فَهَلْ تَكُونُ مَرْضِيَّةً مَحْبُوبَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، أَمْ هِيَ مَسْخُوطَةٌ من جميع الوجوه ؟ قيل : هَذَا السُّؤَالُ يَرِدُ عَلَى وَجْهَيْنِ :
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 231 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء