إِلَى أَمْرٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ [ فَوْتِهِ ] ( 1 ) .
مِنْ ذَلِكَ : أَنَّهُ خَلَقَ إِبْلِيسَ ، الَّذِي هُوَ مَادَّةٌ لِفَسَادِ الْأَدْيَانِ وَالْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ وَالْإِرَادَاتِ ، وَهُوَ سَبَبٌ لِشَقَاوَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادِ ، وَعَمَلِهِمْ بِمَا يُغْضِبُ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَهُوَ السَّاعِي فِي وُقُوعِ خِلَافِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ . وَمَعَ هَذَا فَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى مَحَابَّ كَثِيرَةٍ لِلرَّبِّ تَعَالَى تَرَتَّبَتْ عَلَى خَلْقِهِ ، وَوُجُودُهَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ عَدَمِهَا .
مِنْهَا : أَنَّهُ تَظْهَرُ لِلْعِبَادِ قُدْرَةُ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى خَلْقِ الْمُتَضَادَّاتِ الْمُتَقَابِلَاتِ ، فَخَلَقَ هَذِهِ الذَّاتَ ، الَّتِي هِيَ أَخْبَثُ الذَّوَاتِ وَشَرُّهَا ، وَهِيَ سَبَبُ كُلِّ شَرٍّ ، فِي مُقَابَلَةِ ذات جبرائيل ، الَّتِي هِيَ مِنْ أَشْرَفِ الذَّوَاتِ وَأَطْهَرِهَا وَأَزْكَاهَا ، وَهِيَ مَادَّةُ كُلِّ خَيْرٍ ، فَتَبَارَكَ خَالِقُ هَذَا وَهَذَا . كَمَا ظَهَرَتْ قُدْرَتُهُ فِي خَلْقِ اللَّيْلِ والنهار ، والدواء والداء ، وَالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ ، وَالْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ . وَذَلِكَ من أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَمُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، فَإِنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الْمُتَضَادَّاتِ ، وَقَابَلَ بَعْضَهَا ببعض ، وجعلها مجال تَصَرُّفِهِ وَتَدْبِيرِهِ ، فَخُلُوُّ الْوُجُودِ عَنْ بَعْضِهَا بِالْكُلِّيَّةِ تَعْطِيلٌ لِحِكْمَتِهِ وَكَمَالِ تَصَرُّفِهِ وَتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ .
وَمِنْهَا : ظُهُورُ آثَارِ أَسْمَائِهِ الْقَهْرِيَّةِ ، مِثْلِ : الْقَهَّارِ ، وَالْمُنْتَقِمِ ، والعدل ، والضار ، والشديد العقاب ، والسريع العقاب ، وَذِي الْبَطْشِ الشَّدِيدِ ، وَالْخَافِضِ ، وَالْمُذِلِّ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ وَالْأَفْعَالَ كَمَالٌ ، لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ مُتَعَلَّقِهَا ، وَلَوْ كَانَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ عَلَى طَبِيعَةِ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ .
وَمِنْهَا : ظُهُورُ آثَارِ أَسْمَائِهِ الْمُتَضَمِّنَةِ [ لِحِلْمِهِ ] ( 2 ) وَعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَسَتْرِهِ وَتَجَاوُزِهِ عَنْ حَقِّهِ وَعِتْقِهِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِهِ ، فَلَوْلَا خَلْقُ مَا يَكْرَهُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى ظُهُورِ آثَارِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ الْحِكَمُ وَالْفَوَائِدُ ، وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ صلى الله
هامش
( 1 ) في الأصل : ( فوقه ) والصواب ما أثبتناه ، كما في « مدارج السالكين » 2 / 194 . ن .
( 2 ) في الأصل : ( كلؤه ) . والصواب ما أثبتناه ، كما في « مدارج السالكين » 2 / 195 . ن .