تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
{ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ( 1 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } ( 2 ) . وَمَنْشَأُ الضَّلَالِ : مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ ، وَبَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا ، فَسَوَّى بَيْنَهُمَا الْجَبْرِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَتِ الْجَبْرِيَّةُ : الْكَوْنُ كُلُّهُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، فَيَكُونُ مَحْبُوبًا مَرْضِيًّا ، وَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ النُّفَاةُ : لَيْسَتِ الْمَعَاصِي مَحْبُوبَةً لِلَّهِ وَلَا مَرْضِيَّةً لَهُ ، فَلَيْسَتْ مُقَدَّرَةً وَلَا مَقْضِيَّةً ، فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَشِيئَةِ وَالْمَحَبَّةِ - الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْفِطْرَةُ الصَّحِيحَةُ . أَمَّا نُصُوصُ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ مِنَ الْكِتَابِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهَا . وَأَمَّا نُصُوصُ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا ، فَقَالَ تعالى : { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } ( 3 ) . { وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } ( 4 ) . وَقَالَ تَعَالَى عَقِيبَ مَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْكِبْرِ : { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا } ( 5 ) . وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا : قِيلَ وَقَالَ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ » . وَفِي الْمُسْنَدِ : « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ » ، وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ » فَتَأَمَّلْ ذِكْرَ اسْتِعَاذَتِهِ بِصِفَةِ الرِّضَا مِنْ صِفَةِ السُّخْطِ ، وَبِفِعْلِ الْمُعَافَاةِ مِنْ فعل العقوبة ، فالأول الصفة ، وَالثَّانِي لِأَثَرِهَا الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا ، ثُمَّ رَبَطَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ وَحْدَهُ ، لَا إِلَى غَيْرِهِ ، فَمَا أَعُوذُ مِنْهُ وَاقِعٌ بِمَشِيئَتِكَ وَإِرَادَتِكَ ، وَمَا أَعُوذُ بِهِ من
هامش
( 1 ) سورة الأنعام آية 39 . ( 2 ) سورة الأنعام آية 125 . ( 3 ) سورة البقرة آية 205 . ( 4 ) سورة الزمر آية 7 . ( 5 ) سورة الإسراء آية 38 .