تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
أَحَدُهُمَا : مِنْ جِهَةِ الرَّبِّ تَعَالَى ، وَهَلْ يَكُونُ مُحِبًّا لَهَا مِنْ جِهَةِ إِفْضَائِهَا إِلَى مَحْبُوبِهِ ، وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُهَا لِذَاتِهَا ؟ . وَالثَّانِي : مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَسُوغُ لَهُ الرِّضَا بِهَا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ أَيْضًا ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ لَهُ شَأْنٌ . فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْعَدَمِ ، أَعْنِي عَدَمَ الْخَيْرِ وَأَسْبَابِهِ الْمُفْضِيَةِ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ شَرٌّ ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ الْمَحْضِ فَلَا شَرَّ فِيهِ . مِثَالُهُ : أَنَّ النُّفُوسَ الشِّرِّيرَةَ وَجُودَهَا خَيْرٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَوْجُودَةٌ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهَا الشَّرُّ بِقَطْعِ مَادَّةِ الْخَيْرِ عَنْهَا ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ فِي الْأَصْلِ مُتَحَرِّكَةً ، فَإِنْ أُعِينَتْ بِالْعِلْمِ وَإِلْهَامِ الْخَيْرِ تَحَرَّكَتْ بِهِ ، وَإِنْ تُرِكَتْ تَحَرَّكَتْ بِطَبْعِهَا إِلَى خِلَافِهِ . وَحَرَكَتُهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ حَرَكَةٌ - خَيْرٌ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ شَرًّا بِالْإِضَافَةِ ، لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ حَرَكَةٌ ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ ظُلْمٌ ، وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ ، فَلَوْ وُضِعَ فِي مَوْضِعِهِ لَمْ يَكُنْ شَرًّا ، فَعُلِمَ أَنَّ جِهَةَ الشَّرِّ فِيهِ نِسْبِيَّةٌ إِضَافِيَّةٌ . وَلِهَذَا كَانَتِ الْعُقُوبَاتُ الموضوعة في محلها خَيْرًا فِي نَفْسِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحِلِّ الَّذِي حَلَّتْ بِهِ ، لَمَا أَحْدَثَتْ فِيهِ مِنَ الْأَلَمِ الَّذِي كَانَتِ الطَّبِيعَةُ قَابِلَةً لِضِدِّهِ مِنَ اللَّذَّةِ مُسْتَعِدَّةً لَهُ ، فَصَارَ ذَلِكَ الْأَلَمُ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا ، وَهُوَ خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَاعِلِ ، حَيْثُ وَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْ شَرًّا مَحْضًا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَالِاعْتِبَارَاتِ ، فَإِنَّ حِكْمَتَهُ تَأْبَى ذَلِكَ . فَلَا يُمْكِنُ فِي جَنَابِ الْحَقِّ تَعَالَى أَنْ يُرِيدَ شَيْئًا يَكُونُ فَسَادًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، لَا مَصْلَحَةَ فِي خَلْقِهِ بِوَجْهٍ مَا ، هَذَا مِنْ أبين المحال ، فإنه سبحانه بيده الخير كله ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْهِ ، بَلْ كُلُّ مَا إِلَيْهِ فَخَيْرٌ ، وَالشَّرُّ إِنَّمَا حَصَلَ لِعَدَمِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ وَالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ، فَلَوْ كَانَ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ شَرًّا ، فَتَأَمَّلْهُ . فَانْقِطَاعُ نِسَبْتِهِ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي صَيَّرَهُ شَرًّا . فَإِنْ قِيلَ : لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ خَلْقًا وَمَشِيئَةً ؟ قِيلَ : هُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَيْسَ بِشَرٍّ ، فَإِنَّ وُجُودَهُ هُوَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَيْسَ بِشَرٍّ ، والشر الذي
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 232 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء