سُبْحَانَهُ بَعْضَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى خُرُوجِهِمْ مَعَ رَسُولِهِ ، فَقَالَ : { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا } ( 1 ) ، أَيْ فَسَادًا وَشَرًّا ، { وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ } ( 2 ) ، أَيْ سَعَوْا بَيْنَكُمْ بِالْفَسَادِ وَالشَّرِّ ، { يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } ( 3 ) ، قَابِلُونَ مِنْهُمْ مُسْتَجِيبُونَ لَهُمْ ، فَيَتَوَلَّدُ مِنْ سَعْيِ هَؤُلَاءِ وَقَبُولِ هَؤُلَاءِ مِنَ الشَّرِّ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ خُرُوجِهِمْ ، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ وَالرَّحْمَةُ أَنْ أَقْعَدَهُمْ عَنْهُ . فَاجْعَلْ هَذَا الْمِثَالَ أَصْلًا ، وَقِسْ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ : فَهُوَ أَيْضًا مُمْكِنٌ ، بَلْ وَاقِعٌ . فَإِنَّ الْعَبْدَ يَسْخَطُ الْفُسُوقَ وَالْمَعَاصِيَ وَيَكْرَهُهَا ، مِنْ حَيْثُ هِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَاقِعَةٌ بِكَسْبِهِ وَإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، وَيَرْضَى بِعِلْمِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَأَمْرِهِ الْكَوْنِيِّ ، فَيَرْضَى بِمَا مِنَ اللَّهِ وَيَسْخَطُ مَا هُوَ مِنْهُ ، فَهَذَا مَسْلَكُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرْفَانِ . وَطَائِفَةٌ أُخْرَى كَرِهَتْهَا مُطْلَقًا ، وَقَوْلُهُمْ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ، لِأَنَّ إِطْلَاقَهُمُ الْكَرَاهَةَ لَا يُرِيدُونَ بِهِ شُمُولَهُ لِعِلْمِ الرَّبِّ وَكِتَابَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ . وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ : أَنَّ الَّذِي إِلَى الرَّبِّ مِنْهَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ ، وَالَّذِي إِلَى الْعَبْدِ مَكْرُوهٌ .
فَإِنْ قِيلَ : لَيْسَ إِلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْهَا . قِيلَ : هَذَا هُوَ الْجَبْرُ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ صَاحِبُهُ التَّخَلُّصَ مِنْ هَذَا الْمُقَامِ الضَّيِّقِ ، وَالْقَدَرِيُّ الْمُنْكَرُ أَقْرَبُ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ مِنَ الْجَبْرِيِّ ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ الْمُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ - أَسْعَدُ بِالتَّخَلُّصِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَتَأَتَّى النَّدَمُ وَالتَّوْبَةُ مَعَ شُهُودِ الْحِكْمَةِ فِي التَّقْدِيرِ ، وَمَعَ شُهُودِ الْقَيُّومِيَّةِ وَالْمَشِيئَةِ النَّافِذَةِ ؟ قِيلَ : هَذَا هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ مَنْ عَمِيَتْ بصيرته في شهود الأمر على غير مَا هُوَ عَلَيْهِ ، فَرَأَى تِلْكَ الْأَفْعَالَ طَاعَاتٍ ، لِمُوَافَقَتِهِ فِيهَا الْمَشِيئَةَ وَالْقَدَرَ ، وَقَالَ : إِنْ عَصَيْتُ أمره فقد أطعت إرادته ! [ و ] في ذلك قيل :
هامش
( 1 ) سورة التوبة الآية 47 .
( 2 ) سورة التوبة الآية 47 .
( 3 ) سورة التوبة الآية 47 .