تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
فِيهِ مِنْ عَدَمِ إِمْدَادِهِ بِالْخَيْرِ وَأَسْبَابِهِ ، وَالْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُنْسَبَ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ . فَإِنْ أَرَدْتَ مَزِيدَ إِيضَاحٍ لِذَلِكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ الْخَيْرِ ثَلَاثَةٌ : الْإِيجَادُ ، وَالْإِعْدَادُ ، وَالْإِمْدَادُ . فَإِيجَادُ هَذَا خَيْرٌ ، وَهُوَ إِلَى اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ إِعْدَادُهُ وَإِمْدَادُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ إِعْدَادٌ وَلَا إِمْدَادٌ حَصَلَ فِيهِ الشَّرُّ بِسَبَبِ هَذَا الْعَدَمِ الَّذِي لَيْسَ إِلَى الْفَاعِلِ ، وَإِنَّمَا إِلَيْهِ ضِدُّهُ . فَإِنْ قِيلَ : هَلَّا أَمَدَّهُ إِذَا أَوْجَدَهُ ؟ قِيلَ : مَا اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ إِيجَادَهُ وَإِمْدَادَهُ ، وَإِنَّمَا اقْتَضَتْ إِيجَادَهُ وَتَرْكَ إِمْدَادِهِ ، فَإِيجَادُهُ خَيْرٌ ، وَالشَّرُّ مِنْ عَدَمِ إِمْدَادِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا أَمَدَّ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ ، يَظُنُّ مُورِدُهُ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ أَبْلَغُ فِي الْحِكْمَةِ ! وَهَذَا عَيْنُ الْجَهْلِ ! بَلِ الْحِكْمَةُ فِي هَذَا التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ الَّذِي بَيْنَ الْأَشْيَاءِ ، وَلَيْسَ فِي خَلْقِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا تَفَاوُتٌ ، فَكُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا لَيْسَ فِي خَلْقِهِ تَفَاوُتٌ ، وَالتَّفَاوُتُ إِنَّمَا وَقَعَ لِأُمُورٍ عَدَمِيَّةٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْخَلْقُ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْخَلْقِ مِنْ تَفَاوُتٍ . فَإِنِ اعْتَاصَ عَلَيْكَ هَذَا ، وَلَمْ تَفْهَمْهُ حَقَّ الْفَهْمِ ، فَرَاجِعْ قَوْلَ الْقَائِلِ : إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ . . . وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَرْضَى لِعَبْدِهِ شَيْئًا وَلَا يُعِينُهُ عَلَيْهِ ؟ قِيلَ : لِأَنَّ إِعَانَتَهُ عَلَيْهِ قَدْ تَسْتَلْزِمُ فَوَاتَ مَحْبُوبٍ لَهُ أَعْظَمَ مِنْ حُصُولِ تِلْكَ الطَّاعَةِ الَّتِي رَضِيَهَا لَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ وُقُوعُ تِلْكَ الطَّاعَةِ مِنْهُ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَةً هِيَ أَكْرَهُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِتِلْكَ الطَّاعَةِ . وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ } ( 1 ) - الْآيَتَيْنِ . فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ كَرِهَ انْبِعَاثَهُمْ إِلَى الغزو مع رسوله ، وهو طاعته ، فَلَمَّا كَرِهَهُ مِنْهُمْ ثَبَّطَهُمْ عَنْهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ
هامش
( 1 ) سورة التوبة الآيتين 46 - 47 .