تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
رِضَاكَ وَمُعَافَاتِكَ هُوَ بِمَشِيئَتِكَ وَإِرَادَتِكَ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَرْضَى عَنْ عَبْدِكَ وَتُعَافِيَهُ ، وَإِنْ شِئْتَ أن تغضب عليه وتعاقبه ، فإعاذني مِمَّا أَكْرَهُ وَمَنْعُهُ أَنْ يَحِلَّ بِي ، هِيَ بِمَشِيئَتِكَ أَيْضًا ، فَالْمَحْبُوبُ وَالْمَكْرُوهُ كُلُّهُ بِقَضَائِكَ وَمَشِيئَتِكَ ، فَعِيَاذِي بِكَ مِنْكَ ، وَعِيَاذِي بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَرَحْمَتِكَ مِمَّا يَكُونُ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَعَدْلِكَ وَحِكْمَتِكَ ، فَلَا [ أَسْتَعِيذُ ] بِغَيْرِكَ مِنْ غَيْرِكَ ( 1 ) . وَلَا أَسْتَعِيذُ بِكَ مِنْ شَيْءٍ صَادِرٍ عَنْ غَيْرِ مَشِيئَتِكَ ، بَلْ هُوَ مِنْكَ . فَلَا يَعْلَمُ مَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْمَعَارِفِ وَالْعُبُودِيَّةِ ، إِلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ عُبُودِيَّتِهِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يُرِيدُ اللَّهُ أَمْرًا وَلَا يَرْضَاهُ ولا يحبه ؟ وكيف يشاؤه ويكونه ؟ وكيف تجتمع إِرَادَتُهُ لَهُ وَبُغْضُهُ وَكَرَاهَتُهُ ؟ قِيلَ : هَذَا السُّؤَالُ هُوَ الَّذِي افْتَرَقَ النَّاسُ لِأَجْلِهِ فِرَقًا ، وَتَبَايَنَتْ طُرُقُهُمْ وَأَقْوَالُهُمْ . فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ نَوْعَانِ : مُرَادٌ لِنَفْسِهِ ، وَمُرَادٌ لِغَيْرِهِ . فَالْمُرَادُ لِنَفْسِهِ ، مَطْلُوبٌ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ ، فَهُوَ مُرَادُ إِرَادَةِ الْغَايَاتِ وَالْمَقَاصِدِ . وَالْمُرَادُ لِغَيْرِهِ ، قَدْ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا لِمَا يُرِيدُ ( 2 ) ، وَلَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً إِلَى مَقْصُودِهِ وَمُرَادِهِ ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ نَفْسُهُ وَذَاتُهُ ، مُرَادٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ قَضَاؤُهُ وَإِيصَالُهُ إِلَى مُرَادِهِ ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَمْرَانِ : بُغْضُهُ وَإِرَادَتُهُ ، وَلَا يَتَنَافَيَانِ ، لِاخْتِلَافِ مُتَعَلَّقِهِمَا . وَهَذَا كَالدَّوَاءِ الْكَرِيهِ ، إِذَا عَلِمَ الْمُتَنَاوِلُ لَهُ أَنَّ فِيهِ شِفَاءَهُ ، وَقَطْعِ الْعُضْوِ الْمُتَآكِلِ ، إِذَا عَلِمَ أَنَّ فِي قَطْعِهِ بَقَاءَ جَسَدِهِ ، وَكَقَطْعِ الْمَسَافَةِ الشَّاقَّةِ ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا تُوصِلُ إِلَى مُرَادِهِ وَمَحْبُوبِهِ . بَلِ الْعَاقِلُ يَكْتَفِي فِي إِيثَارِ هَذَا الْمَكْرُوهِ وَإِرَادَتِهِ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ ، وَإِنْ خَفِيَتْ عَنْهُ عاقبته ، فكيف [ بمن ] ( 3 ) لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَكْرَهُ الشَّيْءَ ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ إِرَادَتَهُ لِأَجْلِ غَيْرِهِ ، وكونه سببا
هامش
( 1 ) الزيادة ليست في المطبوعة . وهي ضرورية لصحة الكلام . ( 2 ) في المطبوعة « مقصودا لما لا يريد » ، وزيادة « لا » خطأ ، تبطل المعنى وتفسده . ( 3 ) في الأصل : ( ممن ) والصواب ما أثبتناه ، كما في « مدارج السالكين » 2 / 194 . ن .