الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ : أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ حَاضِرًا ، بِأَنْ يَزْدَحِمَ مُسَافِرُونَ عَلَى بِئْرٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا إِلَّا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ ، لِضِيقِ الْمَوْقِفِ ، أَوِ اتِّحَادِ الْآلَةِ ، فَإِنْ تَوَقَّعَ حُصُولَ نَوْبَتِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ . وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ ، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، أَنَّهُ يَجِبُ الصَّبْرُ لِيَتَوَضَّأَ . وَنَصَّ فِي عُرَاةٍ مَعَهُمْ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَتَنَاوَبُونَهُ ، أَنَّهُ يَصْبِرُ لِيَسْتُرَ عَوْرَتَهُ ، وَيُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ . وَنَصَّ فِي جَمَاعَةٍ فِي مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ قَائِمًا إِلَّا وَاحِدٌ ، أَنَّهُ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ قَاعِدًا ، إِذَا عَلِمَ أَنَّ نَوْبَتَهُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ . وَهَذَا يُخَالِفُ النَّصَّيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ ، فَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ : أَنَّ فِي الْجَمِيعِ قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا : يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَعَارِيًا ، وَقَاعِدًا ، لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ . وَالثَّانِي : يَصْبِرُ ، لِلْقُدْرَةِ . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ ، فَيَصْبِرُ لِلْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ ، دُونَ الْقِيَامِ ، لِسُهُولَةِ أَمْرِهِ .
وَقَالَ كَثِيرُونَ : لَا نَصَّ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ ، وَنَصَّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى مَا سَبَقَ ، وَأَلْحَقُوا الْوُضُوءَ بِالْقِيَامِ لِحُصُولِ بَدَلِهِمَا . فَقَالُوا : يَتَيَمَّمُ فِي الْوَقْتِ وَيُصَلِّي . وَأَجْرَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَالْغَزَالِيُّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا لَاحَ لِلْمُسَافِرِ الْمَاءُ ، وَلَا عَائِقَ دُونَهُ ، وَلَكِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِهِ ، فَاتَهُ الْوَقْتُ . وَهَذَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْخِلَافِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ ، مِنَ الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ هُنَاكَ .
قُلْتُ : الْأَصَحُّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ إِجْرَاءُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ . وَأَظْهَرُهُمَا : يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَعَارِيًا ، وَقَاعِدًا ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَفِي ( التَّهْذِيبِ ) فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ ، قَوْلَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
إِذَا وَجَدَ الْجُنُبُ ، أَوِ الْمُحْدِثُ مَا لَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ ، ثُمَّ يَجِبُ التَّيَمُّمُ بَعْدَهُ لِلْبَاقِي ، فَيَغْسِلُ الْمُحْدِثُ وَجْهَهُ ، ثُمَّ يَدَيْهِ عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَيَغْسِلُ الْجُنُبُ مِنْ جَسَدِهِ مَا شَاءَ . وَالْأَوْلَى : أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ . فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 96
مساهمون: النووي
ص٩٦