تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
ولما غرّبت أعْراف سَلْمى . . . لهنّ وشرّقت قُنَن القِنان تصوبت البلادُ بنا إليكم . . . وغنّى بالإيابِ الحادِيان فقال : أحسن والله ! مَن هذا البدوي المطبوع ؟ فقيل : إنها للوليد بن عُبيد ، فقال : أعِد ، فأعيدت ، فرجع عن رأيه فيه ، وحض الناس على رواية شعره . ولو أُنصف أصحابُنا هؤلاء لوُجِد يسيرُهم أحقّ بالاستكثار وصغيرهم أولى بالإكبار ؛ لأن أحدهم يقفُ محصوراً بين لفظ قد ضُيِّق مجاله ، وحُذِف أكثره ، وقلّ عدده ، وحُظِر مُعظمه . ومعان قد أُخذ عفوها ، وسُبِق إلى جيّدها ؛ فأفكاره تنبثّ في كل وجه ، وخواطره تستفتح كل باب ؛ فإن وافق بعضَ ما قيل ، أو اجتاز منه بأبعد طرف قيل : سرق بيت فلان ، وأغار على قول فلان . ولعل ذلك البيت لم يقرَع قطّ سمعه ، ولا مرّ بخلَده ؛ كأن التوارد عندهم ممتنع ، واتفاقَ الهواجس غيرُ ممكن ! وإن افترع معنى بكْراً ، أو افتتح طريقاً مُبهماً لم يرض منه إلا بأعذب لفظ وأقربه من القلب ، وألذِّه في السمع ؛ فإن دعاه حبُّ الإغراب وشهوة التنوّق إلى تزيين شعره وتحسين كلامه ، فوشّحه بشيء من البديع ، وحلاّه ببعض الاستعارة قيل : هذا ظاهرُ التكلف ، بيّن التعسف ، ناشف الماء ، قليل الرونق . وإن قال ما سمحتْ به النفس ورضي به الهاجس قيل : لفظ فارغ وكلام غسيل ؛ فإحسانه يُتأوّل ، وعيوبه تُتمحّل ، وزلته تتضاعف ، وعذره يكذَّب ؛ فلا تشتغلنّ بهذه الطائفة ما دمت تنظر بين المتنبي وأهل عصره ، وأخّر المنازعة في هذا الرأي ، وإن كان الخلاف الأكبر ، فإن لكل مقام مقالاً . وإنما خصمك الألَدّ ، ومخالفُك
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 52 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي محمد البجاوي / علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني