تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩

بدء الوساطة

ثم نعدل إلى ما تكلفناه في هذه الوساطة فنقول : إن خصْم هذا الرجل فريقان : أحدهما يعمّ بالنقص كلّ مُحدَث ، ولا يرى الشعر إلا القديمَ الجاهلي وما سُلك به ذلك المنهج ، وأُجرِي على تلك الطريقة ؛ ويزعم أن ساقة الشعراء رؤبة ، وابن هَرْمة ، وابن ميّادة ، والحَكَم الخُضْري ، فإذا انتهى إلى من بعدهم - كبشّار وأبي نواس وطبقتهم - سمّى شعرهم مُلَحاً وطُرَفاً ، واستحسن منه البيتَ استحسانَ النادرة ، وأجراه مجرى الفكاهة ؛ فإذا نزلت به إلى أبي تمام وأضرابه نفَضَ يده ، وأقسم واجتهد أن القوم لم يقرِضوا بيتاً قطّ ، ولم يقعوا من الشعر إلا بالبعد . ومن كان هذا رأيهُ ومذهبُه ، وهذه دعواه ونِحْلته فقد أعطاك ما أردت من وجهٍ وإن مانعك سواه ، وسمح لك بما التمست وإن التوى عليك في غيره ؛ لأن الذي انتصبْت له ، وشغلتَ عنايتك به - إلحاقُ أبي الطيب بهذه الطبقة ، وإضافتُه إلى هذه الجملة ، وقد بذل ذلك ، وقرّب مطلبه عليك ؛ فإن تكن الجماعة منسلخةً من الشعر ، موسومة بالنقص ، مستحقة للنفي ، فصاحبك أولُهم ؛ وإن تكن قد علِقَتْ منه بسبب ، وحظِيت منه بطائل ، وكان له فيه قدم ، ومنه حظ وموقع ، فهو كأحدهم . وليس الحكم بين القدماء والمولدين من التوسط بين المحدث والمُحدَث بسبيل ؛ كما لا نسب بينه وبين تفضيل قديم على قديم ، وإنما يستعتِب لك هذه المخاطبة مَنْ وافقك على فضل أبي تمام وحزبه ، وسلّم محل مسلم ومنْ بعده ، فتجعل هؤلاء شهودك وحججك ، وتقيم شعرهم حكماً بينه وبينك ؛ فإنك لا تدّعي لأبي الطيب طريقةَ بشار
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 49 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي محمد البجاوي / علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني