مشهورة تُحْكى عن الأصمعي ومَنْ بعده . وقد بعدت بهم العصبيّة في ذلك إلى تناول بعض المتقدمين .
زعم الأصمعي أن العراب لا تَروي شعر أبي دواد وعدي بن زيد ؛ لأن ألفاظَهما ليست بنجْدية ؛ وكيف يكون ذلك ! وهذا معاويةُ يفضّل عدياً على جماعة الشعراء . وهذا الحطيئة يُسأل : مَن أشعر الناس ؟ فيقول : الذي يقول ، وأنشد لأبي دواد :
لا أعُدُّ الإقْتار عُدْما ولكنْ . . . فقْدُ من قد رُزئتُه الإعدامُ
من رجال من الأقارب ماتوا . . . من حُذاق هم الرّءوس الكِرام
فيهمُ للمُلاينين أناةٌ . . . وعُرام إذا يُراد عرام
وقد يتّفق لأحد هؤلاء غلبةُ الإنصاف على قلبه في الوقت بعد الوقت ، فيخلع رداء العصبية ، ويُصغي ويميز فيرجِع . حدثني جماعة من أصحاب أبي رياش القيسي ، ولا نعرف في زماننا راوية تقدمه ، وكان معروفاً بالتحامل على هؤلاء والغضّ من أبي تمام والبحتري خاصة ، حتى إنّ نسخ هذين الديوانين قلّت بالبصرة في وقته ؛ لقلّة الرغبة فيهما : أنه أُنشد ذات يوم قول البحتري :
نظرتُ إلى طَدان فقلت ليلى . . . هناك وأين ليلى من طَدان ؟ !
ودون مزارها إيجافُ شهر . . . وسبع للمطايا أو ثَمانِ
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 51
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٥١