تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
المعاند ، الذي صمدْت لمحاكمته ، وابتدأت بمُنازعته ومحاجّته ، من استحسن رأيك في إنصاف شاعر ، ثم ألزمك الحيفَ على غيره ، وساعدك على تقديم رجُل ، ثم كلّفك تأخير مثله ؛ فهو يسابقك إلى مدح أبي تمام والبحتري ، ويسوّغ لك تقريظ ابن المعتز وابن الرومي ؛ حتى إذا ذكرت أبا الطيب ببعض فضائله ، وأسميته في عِداد من يقصر عن رتبته امتعض امتعاض الموتور ، ونفر نِفار المَضيم ، فغضّ طرْفه ، وثنى عِطفه ، وصعّر خدّه ، وأخذته العزة بالإثم ، وكأنما زوّى بين عينيه عليك المحاجم . وأُقبِل عليك أيها الراوي المتعتّب فأقول لك : خبّرني عمّن تعظّمه من أوائل الشعراء ، ومن تفتتح به طبقاتِ المحدَثين ؛ هل خلص لك شعْر أحدهم من شائبة ، وصفا من كدِر ومَعابة ؟ فإن ادّعيت ذلك وجدت العِيان حجيجَك ، والمشاهدة خصْمك ؛ وعدنا بك إلى أضعاف ما صدّرنا به مخاطبتك ، واستعرضنا الدواوين فأريناك فيها ما يحول بينك وبين دعواك ، ويحجُزك إن كان بك أدنى مُسكة عن قولك . فإن قلت : قد أعثُر بالبيت بعد البيت أنكِره ، وأجد اللفظ بعد اللفظ لا أستحسنه ، وليس كلّ معانيهم عندي مرضية ، ولا جميع مقاصدهم صحيحة مستقيمة . قلنا لك : فأبو الطيب واحدٌ من الجملة ، فكيف خُصّ بالظلم من بينها ، ورجل من الجماعة فلِم أفرد بالحيف دونها ؟ فإن قلت : كثُر زللُه ، وقلّ إحسانه ، واتسعت معايبه ، وضاقت محاسنه . قلنا : هذا ديوانُه حاضراً وشعره موجوداً ممكناً ؛ هلم نستقرئه ونتصفّحه ، ونقلبه ونمتحنه ، ثم لك بكل سيئة عشر حسنات ، وبكل نقيصة عشر فضائل ، فإذا أكملنا لك ذلك واستوفيته ، وقادك الاضطرار إلى القبول والبهْت ، ووقفت بين التسليم والعناد عُدْنا بك إلى بقية شعره فحاججناك به ، والى ما فضل بعد المقاصّة فحاكمناك إليه .