تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
وقد يُعدّ فيه التّقفية والترصيع ، كقول امرئ القيس : والماء منهَمِرٌ والشّدُّ منحدِر . . . والقُصْبُ مُضطَمِرٌ والمتن ملْحوب وقد يمتنع بعضُ الأدباء من تسمية بعض ما ذكرناه بديعاً ؛ لكنه أحدُ أبواب الصنعة ، ومعدود في حلْي الشعر ، وله أشْباه تجري مجراه ، وتذكر معه ؛ كالالتفات والتوصل وغيرهما ، ولو أقبلنا على استيعابها ، وتمييز ضروبها وأصنافها لاحتجنا إلى اتباع كل ما يقتضيه من شاهد وبيان ومثال . ولو فعلنا ذلك لبخسنا أبا الطيب حقه ، وافتتحنا الكتاب بذكره ثم شَغلْنا معظَمه بغيره ؛ وإنما قدمنا هذا النّبْذ توطئةً لما نذكره على أثره ، وتدريجاً إلى ما بعده ؛ ليكون كالشاهد المقبول قوله ، وبمنزلة المسلم أمره . والشاعر الحاذق يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدهما الخاتمة ؛ فإنها المواقف التي تستعْطِف أسماعَ الحضور ، وتستميلهم إلى الأصغاء ، ولم تكن الأوائل تخصّها بفضْل مراعاة ؛ وقد احتذى البُحتري على مثالهم إلا في الاستهلال ، فإنه عُني به فاتفقت له فيه محاسن ؛ فأما أبو تمام والمتنبي فقد ذهبا في التخلص كلَّ مذهب ، واهتمّا به كل اهتمام ، واتفق للمتنبي فيه خاصة ما بلغ المراد ، وأحسن وزاد .
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 48 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي محمد البجاوي / علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني