تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
وأنّا سلّمنا لك ما زعمته ، أين أنت من قوله في إثر هذا البيت : كأنّ العيسَ كانت فوقَ جفني . . . مُناخاتٍ فلمّا ثُرْنَ سالا قال : فاستشاط غيظاً ، ثم قال : هذا المصراع يسقط دواوين عدة شعراء ! فإنْ كان هذا الحكم سائغاً ، وكان ما قاله مقبولاً ، فإن أحد أبيات الفرزدق يُسقط شعر بني تميم جملة ؛ فقد ترى ما بينَها من الفضل في النقص ، وتتبين تفاوتها في سوء الترتيب واختلال النظم . ولو كان التعقيدُ وغموضُ المعنى يُسقطان شاعراً لوجب أن لا يُرى لأبي تمام بيت واحد ؛ فإنا لا نعلم له قصيدة تسلم من بيتٍ أو بيتين قد وفَر من التعقيد حظهما ؛ وأفسد به لفظهما ، ولذلك كثُر الاختِلاف في معانيه ، وصار استخراجها باباً منفرداً ؛ ينتسِب إليه طائفة من أهل الأدب ، وصارت تُتطارح في المجالس مطارحة أبيات المعاني ، وألغاز المُعمّى . وليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلا ومعناه غامض مستتر ؛ ولولا ذلك لم تكن إلا كغيرها من الشعر ، ولم تفرَد فيها الكتب المصنّفة ، وتُشغل باستخراجها الأفكار الفارغة . ولسنا نريدُ القِسم الذي خفاء معانيه واستتارُها من جهة غرابة اللفظ وتوحش الكلام ، ومن قبل بُعد العهد بالعادة وتغيّر الرسم ، كاختلاف الناس في قول تميم بن مقبل : يا دار سلمى خلاء لا أكلِّفها . . . إلا المرانةَ حتى تعرِفَ الدِّينا فإن الذي خالف بين أقاويلهم فيها هو أنهم لم يعرفوا المرانة ، فقال قائل : هي ناقته ، وقال آخر : هي موضع دار صاحبته ، وقال آخر إنما أراد الدوام والمرونة .