وأقمناه علَماً يرجَع إليه في هذا الحكم ، وأعلمناك أنه ليس بغيتنا الشهادة لأبي الطيب بالعصمة ، ولا مرادُنا أن نبرّئه من مقارفة زلّة ، وأن غايتنا فيما قصدنا أن نلحِقَه بأهل طبقته ، ولا نقصّر به عن رتبته ، وأن نجعله رجلاً من فحول الشعراء ، ونمنعك عن إحباط حسناته بسيئاته ، ولا نسوّغ لك التحامل على تقدّمه في الأكثر بتقصيره في الأقل ، والغضّ من عامّ تبريزه ، بخاص تعذيره . ومتى وجدتك تحتمل للفرزق قوله :
وما مثلُه في الناس إلا مُمَلَّكاً . . . أبو أمه حيٌ أبوه يقاربُه
وقوله :
ما بالمدينة دارٌ غير واحدة . . . دار الخليفة إلا دار مروانا
وقوله :
فإنّ التي ضرّتْك لو ذقت طعمَها . . . عليك من الأعباء يوم التخاصم
وأشباهها . وإن لم تحتمِله لم تتعمدْه بالعيب ، ولم تتناول قلائدَه بالغضّ ، ولا تسلك بأبي الطيب هذا المسلك ، وتحمِله على هذا المنهَج علمتُ أنّك متعصّب مائل ، ومتحامل جائر .
وقد حدثني بعض أهل الأدب أنه حضر عند أبي الحسن بن لنْكَك البصري - وكان على فضله في العلم ، وتقدُمه في الأدب - شديد التحامل على أبي الطيب ، وهو يذكر شيئاً من شعره حتى انتهى إلى قوله :
بقائي شاء ليس همُ ارتحالا
فجعل يعجِّب من هذا المصراع من حضره ويقول : هل رأيتُم أشد تعقيداً وأظهر تكلفاً ، وأسوأ ترتيباً من هذا الكلام ! قال : فقلت له : هب الأمر على ما ادّعيته ،
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 416
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٤١٦