تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥

دفاع المؤلف عن أبي الطيب

وقد تفقدت ما أنكرَهُ أصحابُك من هذا الديوان ، بعد الأبيات التي حالُها من امتناع المحاجة فيها ، وتعذّر المخاصمة عليها ما وصفْت فوجدته أصنافاً ، منها ألفاظ نُسبَت إلى اللّحن في الإعراب ، وادُّعي فيها الخروج عن اللغة ، ومعان وصِفَت بالفساد والإحالة ، وبالاختلال والتناقض ، واستِهلاك المعنى ؛ وأخرى أنكِر منها التقصير عن الغرض ، والوقوفع دون القصد . وأعيَب ما فيها ما عيبُه من باب التعقيد والعويص واستهلاك المعنى وغُموض المراد ؛ ومن جهة بُعدِ الاستعارة ، والإفراط في الصنعة ، وقد حكيْت في كل باب منها ما علِقتُه من كلام أصحابك ، وما قابلهم به خصومُك ، ورأيت السّلامة في أن اقتصر من هذه الوساطة على حُسن التبليغ ، وحسن التأدية ، وتقريب العبارة ، وجمع المتفرِّق ، ثم أقف منكما حجْزةً ، وأخرُج عنكما صفراً ؛ قد أدّيتُ عن كل فريق ما تحملتُه ، وسلمتُ من الميل فيما تكلّفته . وكما لا أحكم على خصمك بالخطأ في كل ما يذكره ، فكذلك لا أبعدُك من الصواب في أكثر ما تصفه . وجملة القول في هذه الأبيات وأشباهها أنه لو وُفّي فيها التهذيب حقه . ولم يُبخَس التّثقيف شرطَه لانقطعت عنها ألسُن العيب ؛ وانسدّت دونها طرُق الطعن ، ولدخَلتْ في جملة أخواتها ، ولجرتْ مجرى أغيارها ؛ ولاستغنت عن تكلّف البحث والتّنْقير ؛ واستغنى خصمك عن تمحّل الحجج والمعاذير . لكنا لم نجد شاعراً أشمل للإحسان والإصابة والتنقيح والإجادة شعره أجمع ، بل قلّما تجد ذلك في القصيدة الواحدة ، والخطبة الفردة ؛ ولا بد لكل صانع من فترة ، والخاطر لا تستمر به الأوقات على حال ؛ ولا يدوم في الأحوال على نهج . وقد قدمنا لك في صدر هذه الرسالة من شعر أبي نواس وأبي تمام وغيرِهما ما مهّدنا به الطريق إلى هذا القول ،