فلم يخْل بيت منها من معنى بديع وصنعة لطيفة ؛ طابق وجانس ، واستعار فأحسن ، وهي معدودة في المختار من غزَله . وحقّ لها ؛ فقد جمعت على قصرِها فنوناً من الحُسن ، وأصنافاً من البديع ، ثم فيها من الإحكام والمتانة والقوة ما تراه ؛ ولكنّني ما أظنك تجدُ له من سَورة الطرب ، وارتياحِ النفس ما تجده لقول بعض الأعراب :
أقول لصاحبي والعيسُ تهوي . . . بنا بين المُنيفة فالضِّمار
تمتّعْ من شَميم عَرارٍ نجْدٍ . . . فما بعْد العشيّة من عَرارِ
ألا يا حبّذا نفَحاتُ نجْدٍ . . . وريّا روضهِ غِبَّ القِطارِ
وعيشك إذ يحُلّ القوم نجْداً . . . وأنتَ على زمانِك غيرُ زارِ
شُهورٌ ينقضين وما شعرْنا . . . بأنْصافٍ لهنّ ولا سِرارِ
فأما ليلُهنّ فخيرُ ليلٍ . . . وأقصر ما يكون من النهار
فهو كما تراه بعيد عن الصنعة ، فارغ الألفاظ ، سهل المأخذ ، قريب التناول .
وكانت العرب إنما تُفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحّته ، وجزالة اللفظ واستقامته ، وتسلّم السّبْق فيه لمَنْ وصف فأصاب ، وشبّه فقارب ، وبدَهَ فأغزَر ، ولمَن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته ؛ ولم تكن تعبأ بالتجنيس
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 33
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٣٣