تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
رأيت إسراع القلب إلى هذين البيتين ، وتبيّنت قربهما منه ؛ والمعنى واحد ، وكلاهما خالٍ من الصنعة ، بعيدٌ عن البديع ؛ إلا ما حسُن به من الاستعارة اللطيفة ، التي كسته هذه البهجة . هذا وقد تخلل كلّ واحد منهما من حشو الكلام ما لو حُذف لاستغني عنه وما لا فائدة في ذكره ؛ لأن امرأ القيس قال : من وَحْش وَجرة ، وعديّاً قال : من جآذر جاسم ، ولم يذكُرا هذين الموضعين إلا استعانة بهما في إتمام النظم ، وإقامة الوزن ، ولا تلتفتنّ إلى ما يقوله المعنويون في وجْرة وجاسم ، فإنما يطْلُب به بعضهم الإغرابَ على بعض ؛ وقد رأيتُ ظِباءَ جاسم فلم أرها إلا كغيرها من الظباء . وسألت من لا أُحصي من الأعراب عن وحش وجْرة فلم يرَوا لها فضلاً على وحش ضريّة وغزلان بُسَيطة ، وقد يختلف خلْق الظِباء وألوانها باختلاف المنشأ والمرتع ؛ وأما العيون فقلّ أن تختلف لذلك ؛ وأما ما تمم به عدي الوصف ، وأضافه إلى المعنى المبتذَل بقوله على إثر هذا البيت : وسْنان أيقَظهُ النُعاسُ فرنّقتْ . . . في عينِه سنَةٌ وليسَ بنائِمِ فقد زاد به على كلّ منْ تقدم ، وسبق بفضله جميعَ من تأخر ، ولو قلت : اقتطعَ هذا المعنى فصار له ، وحظَر على الشعراء ادّعاء الشرك فيه لم أرني بعُدت عن الحق ، ولا جانبْتُ الصدق . وقد تغزل أبو تمام فقال : دعْني وشُربَ الهوى يا شارب الكاسِ . . . فإنني للذي حسيته حاسي لا يوحِشنّك ما استعجمتَ من سَقمي . . . فإنّ منزلَه من أحسن الناس من قطْع ألفاظِه توصيلُ مَهلكَتي . . . ووصْل ألْحاظه تقطيعُ أنفاسي متى أعيش بتأميلِ الرّجاء إذا . . . ما كان قطعُ رجائي في يديْ ياسي