فخبر عن قُربها لأنها إذا بعُدت تُخيِّلَتْ ولم تُر ، وإنما يكون قُربُها متوقعاً للفريسة ، وهذا يؤيد المعنى ، ثم قال : ثقة أن سَتُمار ، فجعلها واثقة بالميرَة ، ولم يجمع هذه الأوصاف غيرُه ، فأما أبو نواس فإنه نقل اللفظ ولم يزد فيفضَّلُ . وقال أبو الطيب :
سَحابٌ من العِقبان يزحَفُ تحتَها . . . سَحابٌ إذا استَسْقَتْ سقَتْها صوارمُهْ
فزاد إذ جعلها سحابتين ، وجعل السحابة السفلى تسقي ما فوقها ، وهذا غريب ، وقد يعيبُه المتكلّفون في هذا البيت بأمرين : أحدُهما أنّ السحاب لا يسقي ما فوقه ، والآخر أن العقبان والطير لا تستقي ، وإنما تستطعِم ، فأما إسقاء ما فوقه فهو الذي أغرَب به ، ولم يجعل الجيش سحاباً في الحقيقة فيمتنع إسقاؤه ما فوقه ، وإنما أقامه مقام السحاب من وجهين لتزاحمه وكثافته ، وقد فعلت العرب ذلك في أشعارها ، وأما أنه يستسقي كاستسقاء السحاب فلأنه لما سماه سحاباً جعله يستسقي . وقد قال أبو تمام في صفة المنجنيق :
أرض على سمائها درور
مع أن الطير لا تُصيبُ فرائسها وهي في الجو ، وإنما تهبط إلى الأرض فهي تستسقي والسحاب الساقي عال عليها ، وأما استسقاء الطير فجار على عادة العرب في استعارة هذه اللفظة في كل طلب ، تعظيماً لقدْر الماء ، ولذلك قال علقمة :
وفي كل حيٍ قد خبطْتَ بنعمة . . . فحُقّ لشأسٍ من نداك ذَنوب
وقال رؤبة :
يا أيها المائح دلوي دونَكا
وهما لم يستسقيا ماء ، وإنما طلب أحدهما مالاً واظتطلق الآخر أسيراً . ولذلك
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 275
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٢٧٥