وقوله : البسيط
قد اشْتَكَتْ وَحْشَةَ الأحْيَاءِ أرْبُعُهُ . . . وخَبَّرَتْ عن أسَى المَوْتَى مَقَابِرُهُ
قال : لما غاب الأمير عن البلد ، حزن لغيبته الأحياء حتى أحست بذلك دورهم ، وكذلك الموتى ، حزنوا حتى أخبرت المقابر عن حزنهم .
وأقول : إن قوله : أحست بذلك دورهم ليس بشيء ، ولو قال : استوحش لغيبته الأحياء حتى سرت الوحشة إلى منازلهم فاشتكت ذلك بلسان الحال . وكذلك يقال في الموتى في مقابرهم لكان حسنا ، وكان في هذا البيت من المجاز والاستعارة ما في قوله تعالى : ( إنا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إنه كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) . كأنه يقوله - والله أعلم - : لو إن هذه الأشياء مما يعقل وعُرض عليها حمل الأمانة لأشفقت من حملها لعظمها . وكذلك يقال في الأربع ، والمقابر ، لو إنها مما ينطق لأخبرت عن وحشة الأحياء وأسى الموتى .
وقوله : البسيط
وَجدَّدَتْ فَرَحاً لا الغَمُّ يَطْرُدُهُ . . . ولا الصَّبَابَةُ في قَلْبٍ تُجَاوِرُهُ
قال : عودة دولته جددت فرحا لا يغلبه الغم ، ولا تجاوره شدة الشوق بعد هذا الفرح في قلب ؛ أي لا تسكنه لامتلاء كل قلب بهذا الفرح لا يكون م فيه موضع
للعشق .
المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي — صفحة 37
مساهمون: أحمد بن علي بن معقل الأزدي المهلبي
ص٣٧