مَا قُلْتُمْ ، إِذْ لَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ خِيَرَةٌ فِيهِ .
فَكَمَا أَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِالرِّفْقِ بِغَيْرِهِ ؛ كَذَلِكَ هُوَ مُكَلَّفٌ بِالرِّفْقِ بِنَفْسِهِ :
وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا . . . » إِلَى آخَرِ الْحَدِيثِ ، فَقَرَنَ حَقَّ النَّفْسِ بِحَقِّ الْغَيْرِ فِي الطَّلَبِ فِي قَوْلِهِ : « فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ » ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ حَقًّا مِنَ الْحُقُوقِ ، وَلَا يُطْلَقُ هَذَا اللَّفْظُ إِلَّا عَلَى مَا كَانَ لَازِمًا .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُبِيحَ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ دَمَهُ ، وَلَا قَطْعَ طَرْفٍ مِنْ أَطْرَافِهِ ، وَلَا إِيلَامَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْآلَامِ ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ؛ أَثِمَ وَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ ، وَرَاجِعٌ إِلَى خِيَرَتِهِ ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، إِذْ قَدْ تَبَيَّنَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَةً مِنْ حَقِّ اللَّهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ - فِيمَا نَحْنُ فِيهِ - أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَى خِيَرَتِنَا بِإِطْلَاقٍ ؛ لَمْ يَقَعِ النَّهْيُ فِيهِ عَلَيْنَا ، بَلْ كُنَّا نُخَيَّرُ فِيهِ ابْتِدَاءً ، وَإِلَى ذَلِكَ [ يُشِيرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ ؛ فَلْيُطِعْهُ » ] ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بِخِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ مَحْضًا ؛ لَجَازَ لِلنَّاذِرِ الْعِبَادَةَ أَنْ يَتْرُكَهَا مَتَى شَاءَ ، وَيَفْعَلَهَا مَتَى شَاءَ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ ، فَيَجْرِي مَا أَشْبَهَ مَجْرَاهُ .
وَأَيْضًا ؛ فَقَدْ فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ أَنَّهُ حَبَّبَ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِنَا ،
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 407
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٠٧