فَأَنْتَ تَرَى مَا فِي الْتِزَامِ النَّوَافِلِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ [ مِنَ الْإِخْلَالِ بِالْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ ، وَمِنْ هُنَا يُصْبِحُ تَرْكُهُ ] فَرْضًا إِذَا كَانَ مُؤَدِّيًا لِلْحَرَجِ ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الِالْتِزَامُ صَادًّا عَنِ الْوَفَاءِ بِالْوَاجِبَاتِ مُبَاشَرَةً ، قَصْدًا أَوْ غَيْرَ قَصْدٍ .
وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، إِذْ كَانَ الْتِزَامُ قِيَامِ اللَّيْلِ مَانِعًا لَهُ مِنْ أَدَاءِ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ وَكَذَلِكَ الْتِزَامُ صِيَامِ النَّهَارِ .
وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ الْتِزَامُ صَلَاةِ الضُّحَى أَوْ غَيْرِهَا مِنَ النَّوَافِلِ مُخِلًّا بِقِيَامِهِ عَلَى مَرِيضِهِ الْمُشْرِفِ وَالْقِيَامِ عَلَى إِغَاثَةِ أَهْلِهِ بِالْقُوتِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَيَجْرِي مَجْرَاهُ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي رُتْبَتِهِ - أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الِالْتِزَامُ يُفْضِي بِهِ إِلَى ضَعْفِ بَدَنِهِ ، أَوْ نَهْكِ قُوَاهُ ، حَتَّى لَا يَقْدِرَ عَلَى الِاكْتِسَابِ لِأَهْلِهِ ، أَوْ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ عَلَى وَجْهِهَا ، أَوِ الْجِهَادِ ، أَوْ طَلَبِ الْعِلْمِ ؛ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ حَدِيثُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ : " « كَانَ يَصُومُ يَوْمًا ، وَيُفْطِرُ ( يَوْمًا ) ، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى » .
وَقَدْ جَاءَ فِي مَفْرُوضِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ مِنَ التَّخْيِيرِ مَا جَاءَ ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « قَالَ عَامَ الْفَتْحِ : إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ » .
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " « فَأَصْبَحْنَا مِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ " .
قَالَ : ثُمَّ سِرْنَا ، فَنَزَلْنَا مَنْزَلًا ، فَقَالَ : إِنَّكُمْ تُصَبِّحُونَ عَدُوَّكُمْ ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ ، فَأَفْطِرُوا » .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 409
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٠٩