قَالَ : فَكَانَتْ عَزِيمَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصِّيَامَ رُبَّمَا أَضْعَفَ عَنْ مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ وَعَمَلِ الْجِهَادِ ، فَصِيَامُ النَّفْلِ أَوْلَى بِهَذَا الْحُكْمِ .
وَعَنْ جَابِرٍ : « أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُظَلَّلُ عَلَيْهِ وَالزِّحَامُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ؛ » يَعْنِي : أَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا - لَيْسَ بِرًّا فِي السَّفَرِ إِذَا بَلَغَ بِهِ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ الْحَدَّ ، مَعَ وُجُودِ الرُّخْصَةِ ، فَالرُّخْصَةُ إِذًا مَطْلُوبَةٌ فِي مِثْلِهِ ، بِحَيْثُ تَصِيرُ بِهِ آكَدَ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ ، فَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي أَصْلِهِ أَوْلَى .
فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ شَيْئًا يَشُقُّ عَلَيْهِ ؛ فَلَمْ يَأْتِ طَرِيقَ الْبِرِّ عَلَى حَدِّهِ .
[ فَصْلٌ الرَّدُّ عَلَى إِشْكَالِ أَنَّ الْتِزَامَ النَّوَافِلِ الَّتِي يَشُقُّ الْتِزَامُهَا مُخَالَفَةٌ لِلدَّلِيلِ ]
فَصْلٌ
إِذَا ثَبَتَ مَا تَقَدَّمَ ؛ وَرَدَ الْإِشْكَالُ الثَّانِي :
وَهُوَ أَنَّ الْتِزَامَ النَّوَافِلِ الَّتِي يَشُقُّ الْتِزَامُهَا مُخَالَفَةٌ لِلدَّلِيلِ ، وَإِذَا خَالَفَتْ ؛ فَالْمُتَعَبِّدُ بِهَا - عَلَى ذَاكَ التَّقْدِيرِ - مُتَعَبِّدٌ بِمَا لَمْ يُشْرَعْ ، وَهُوَ عَيْنُ الْبِدْعَةِ ، فَإِمَّا أَنْ تَنْتَظِمَهَا أَدِلَّةُ ذَمِّ الْبِدْعَةِ أَوْ لَا :
فَإِنِ انْتَظَمَتْهَا أَدِلَّةُ الذَّمِّ ؛ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَمْرَيْنِ :
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 410
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤١٠