تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ بِشَرْطِهِ ، وَإِمَّا شَاقٌّ صَبَرَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُوفِ النَّفْسَ حَقَّهَا مِنَ الرِّفْقِ ، وَسَيَأْتِي ، وَإِنْ لَمْ يُوفِّ ؛ فَكَأَنَّهُ نَقَضَ عَهْدَ اللَّهِ ، وَهُوَ شَدِيدٌ ، فَلَوْ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الِالْتِزَامِ ؛ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ مَا يَتَّقِي مِنْهُ . لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ النَّهْيَ هَاهُنَا مُعَلَّقٌ بِالرِّفْقِ الرَّاجِعِ إِلَى الْعَامِلِ ؛ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : « نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ » ، فَكَأَنَّهُ قَدِ اعْتَبَرَ حَظَّ النَّفْسِ فِي التَّعَبُّدِ ، فَقِيلَ لَهُ : افْعَلْ وَاتْرُكْ ؛ أَيْ : لَا تَتَكَلَّفْ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ ، كَمَا لَا تَتَكَلَّفُ فِي الْفَرَائِضِ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا وَضَعَ الْفَرَائِضَ عَلَى الْعِبَادِ عَلَى وَجْهٍ مِنَ التَّيْسِيرِ مُشْتَرَكٍ لِلْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْضُ الْفَرَائِضِ يُدْخِلُ الْحَرَجَ عَلَى الْمُكَلَّفِ ؛ يَسْقُطُ عَنْهُ جُمْلَةً ، أَوْ عُوِّضَ عَنْهُ مَا لَا حَرَجَ فِيهِ ، كَذَلِكَ النَّوَافِلُ الْمُتَكَلَّمُ فِيهَا . وَإِذَا رُوعِيَ حَظُّ النَّفْسِ ؛ فَقَدْ صَارَ الْأَمْرُ فِي الْإِيغَالِ إِلَى الْعَامِلِ ، فَلَهُ أَنْ لَا يُمَكِّنَهَا مِنْ حَظِّهَا ، وَأَنْ يَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهَا بِالدَّوَامِ ؛ بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُؤَصَّلَةِ فِي أُصُولِ الْمُوَافَقَاتِ فِي إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ ، فَلَا يَكُونُ إِذًا مَنْهِيًّا - عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ - ، فَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ مَا دَامَ طَالِبًا لَهُ ، وَلَهُ الْخَيَرَةُ فِي تَرْكِ الطَّلَبِ بِهِ ، فَيَرْتَفِعُ الْوُجُوبُ ؛ كَذَلِكَ جَاءَ النَّهْيُ حِفْظًا عَلَى حُظُوظِ النَّفْسِ ، فَإِذَا أَسْقَطَهَا صَاحِبُهَا ؛ زَالَ النَّهْيُ ، وَرَجَعَ الْعَمَلُ إِلَى أَصْلِ النَّدْبِ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ حُظُوظَ النُّفُوسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّلَبِ بِهَا قَدْ يُقَالُ : إِنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ ، فَلَا يَنْهَضُ