تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
ضَعْفِهَا . فَنَحْنُ نَقُولُ : كُلُّ عَمَلٍ يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَى مِثْلِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَيْدٍ ؛ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَلَا يَشُقُّ عَلَى عُمَرَ ؛ فَلَا يُنْهَى عَنْهُ . فَنَحْنُ نَحْمِلُ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَاقًّا عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ شَاقًّا عَلَيْنَا ، فَلَيْسَ عَمَلُ مِثْلِهِمْ بِمَا عَمِلُوا بِهِ حُجَّةً لَنَا أَنْ نَدْخُلَ فِيمَا دَخَلُوا فِيهِ ؛ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَمْتَدَّ مَنَاطُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَمَلُ لَا يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَى مِثْلِهِ . وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي هَذَا لِمُشَاهَدَةِ الْجَمِيعِ ، فَإِنَّ التَّوَسُّطَ وَالْأَخْذَ بِالرِّفْقِ هُوَ ( الْأَوْلَى ) وَالْأَحْرَى بِالْجَمِيعِ ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ ؛ دُونَ الْإِيغَالِ الَّذِي لَا يَسْهُلُ مِثْلُهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ وَلَا أَكْثَرِهِمْ ؛ إِلَّا عَلَى الْقَلِيلِ النَّادِرِ مِنْهُمْ . وَالشَّاهِدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ ، إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي » ؛ يُرِيدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْوِصَالُ ، وَلَا يَمْنَعُهُ عَنْ قَضَاءِ حَقِّ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْخَلْقِ . فَعَلَى هَذَا ؛ مَنْ رُزِقَ أُنْمُوذَجًا مِمَّا أُعْطِيَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَصَارَ يُوغِلُ فِي الْعَمَلِ مَعَ قُوَّتِهِ وَنَشَاطِهِ وَخِفَّةِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ ؛ فَلَا حَرَجَ . وَأَمَّا رَدُّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ؛ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَهِدَ بِأَنَّهُ لَا يُطِيقُ الدَّوَامَ ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَا كَانَ مُتَوَقَّعًا ، حَتَّى قَالَ : " لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .