وَمِنْ جُمْلَةِ التَّزْيِينِ تَشْرِيعُهُ عَلَى وَجْهٍ يُسْتَحْسَنُ الدُّخُولُ فِيهِ ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مَعَ شَرْعِيَّةِ الْمَشَقَّاتِ ، وَإِذَا كَانَ الْإِيغَالُ فِي الْأَعْمَالِ مِنْ شَأْنِهِ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُورِثَ الْكَلَلَ وَالْكَرَاهِيَةَ وَالِانْقِطَاعَ - الَّذِي هُوَ كَالضِّدِّ لِتَحْبِيبِ الْإِيمَانِ وَتَزْيِينِهِ - فِي الْقُلُوبِ ؛ كَانَ مَكْرُوهًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ ، فَلَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ .
وَأَمَّا الثَّانِي : فَإِنَّ الْحُقُوقَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْمُكَلَّفِ عَلَى أَصْنَافٍ كَثِيرَةٍ ، وَأَحْكَامُهَا تَخْتَلِفُ حَسْبَمَا تُعْطِيهِ أُصُولُ الْأَدِلَّةِ .
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ عَلَى الْمُكَلَّفِ حَقَّانِ ، وَلَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ مَا هُوَ آكَدُ فِي مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ، فَلَوْ تَعَارَضَ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ ؛ لَقَدَّمَ الْوَاجِبَ عَلَى الْمَنْدُوبِ ، وَصَارَ الْمَنْدُوبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرَ مَنْدُوبٍ ، بَلْ صَارَ وَاجِبَ التَّرْكِ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا ، مِنْ " بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ " ، وَإِذَا صَارَ وَاجِبَ التَّرْكِ ؛ فَكَيْفَ يَصِيرُ الْعَامِلُ بِهِ إِذْ ذَاكَ مُتَعَبِّدًا لِلَّهِ بِهِ ؟ ! بَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِمَا هُوَ مَطْلُوبٌ فِي أُصُولِ الْأَدِلَّةِ ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ النَّدْبِ عَتِيدٌ ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا التَّعَبُّدِ مَانِعٌ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ ، وَهُوَ حُضُورُ الْوَاجِبِ ، فَإِنْ عَمِلَ بِالْوَاجِبِ ؛ فَلَا حَرَجَ فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُخْلِصٍ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الِالْتِزَامِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ ، وَإِنْ عَمِلَ بِالْمَنْدُوبِ ؛ عَصَى بِتَرْكِ الْوَاجِبِ .
وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي الْمَنْدُوبِ : هَلْ وَقَعَ مَوْقِعَهُ فِي النَّدْبِ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ هُنَا وَاجِبٌ عَقْلًا ؛ فَقَدْ يَنْهَضُ الْمَنْدُوبُ سَبَبًا لِلثَّوَابِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ كَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ ، وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُ وَاجِبٌ شَرْعًا ؛ بَعُدَ مِنَ انْتِهَاضِهِ سَبَبًا لِلثَّوَابِ ؛ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ مَا ، وَفِيهِ أَيْضًا مَا فِيهِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 408
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٠٨