مَحْمُولٌ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يَشُقُّ فِيهِ الدَّوَامُ .
وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْهُمْ إِدَامَةُ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ وَقِيَامُ جَمِيعِ اللَّيْلِ ، وَصِيَامُ الدَّهْرِ . . . وَنَحْوُهُ ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَلْتَزِمَ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْعَمَلِ حَالًا يَغْتَنِمُ نَشَاطَهُ ، فَإِذَا أَتَى زَمَانٌ آخَرُ وَجَدَ فِيهِ النَّشَاطَ أَيْضًا وَإِذَا لَمْ يُخِلَّ بِمَا هُوَ أَوْلَى ؛ عَمِلَ كَذَلِكَ ، فَيَتَّفِقُ أَنْ يَدُومَ لَهُ هَذَا النَّشَاطُ زَمَانًا طَوِيلًا ، وَفِي كُلِّ حَالَةٍ هُوَ فِي فُسْحَةِ التَّرْكِ ، لَكِنَّهُ يَنْتَهِزُ الْفُرْصَةَ مَعَ الْأَوْقَاتِ ، فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يَصْحَبَهُ النَّشَاطُ إِلَى آخِرِ الْعُمُرِ ، فَيَظُنُّهُ الظَّانُّ الْتِزَامًا وَلَيْسَ بِالْتِزَامٍ .
وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ سَائِقِ الْخَوْفِ أَوْ حَادِي الرَّجَاءِ أَوْ حَامِلِ الْمَحَبَّةِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ » ، فَلِذَلِكَ « قَامَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ ، » وَامْتَثَلَ أَمْرَ رَبِّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا } [ المزمل : 2 ] ، الْآيَةَ .
( وَالثَّالِثُ ) : أَنَّ دُخُولَ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمَهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الدَّوَامِ أَوْ غَيْرِهِ لَيْسَ أَمْرًا مُنْضَبِطًا ، بَلْ هُوَ إِضَافِيٌّ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي قُوَّةِ أَجْسَامِهِمْ ، أَوْ فِي قُوَّةِ عَزَائِمِهِمْ ، أَوْ فِي قُوَّةَ يَقِينِهِمْ . . . . أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِ أَجْسَامِهِمْ وَأَنَفَاسِهِمْ ، فَقَدْ يَخْتَلِفُ الْعَمَلُ الْوَاحِدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَجُلَيْنِ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَقْوَى جِسْمًا ، أَوْ أَقْوَى عَزِيمَةً ، أَوْ يَقِينًا بِالْمَوْعِدِ ، وَالْمَشَقَّةُ قَدْ تَضْعُفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُوَّةِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَأَشْبَاهِهَا ، وَتَقْوَى مَعَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 403
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٠٣