تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
وَحَالُ مَنْ فُقِدَتْ فِي حَقِّهِ الْعِلَّةُ حَالُ مَنْ يَعْمَلُ بِحُكْمِ غَلَبَةِ الْخَوْفِ أَوِ الرَّجَاءِ أَوِ الْمَحَبَّةِ ؛ فَإِنَّ الْخَوْفَ سَوْطٌ سَائِقٌ ، وَالرَّجَاءَ حَادٍ قَائِدٌ ، وَالْمَحَبَّةَ سَبِيلٌ حَامِلٌ ، فَالْخَائِفُ إِنْ وَجَدَ الْمَشَقَّةَ ؛ فَالْخَوْفُ مِمَّا هُوَ أَشَقُّ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ مَا هُوَ أَهْوَنُ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ شَاقًّا ، وَالرَّاجِي يَعْمَلُ وَإِنْ وَجَدَ الْمَشَقَّةَ ؛ لِأَنَّ رَجَاءَ الرَّاحَةِ التَّامَّةِ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى بَعْضِ التَّعَبِ ، وَالْمُحِبُّ يَعْمَلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ ؛ شَوْقًا إِلَى الْمَحْبُوبِ ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الصَّعْبُ ، وَيَقْرُبُ عَلَيْهِ الْبَعِيدُ ، فَيُوهِنُ الْقُوَى ، وَلَا يَرَى أَنَّهُ أَوْفَى بِعَهْدِ الْمَحَبَّةِ وَلَا قَامَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ ، وَيَعْصِرُ الْأَنْفَاسَ وَلَا يَرَى أَنَّهُ قَضَى نَهْمَتَهُ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ صَحَّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَجَازَ الدُّخُولُ فِي الْعَمَلِ الْتِزَامًا مَعَ الْإِيغَالِ فِيهِ : إِمَّا مُطْلَقًا ، وَإِمَّا مَعَ ظَنِّ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ ، وَإِنْ دَخَلَتِ الْمَشَقَّةُ فِيمَا بَعْدُ ؛ إِذَا صَحَّ مَعَ الْعَامِلِ الدَّوَامُ عَلَى الْعَمَلِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ وَعَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَدِلَّةِ النَّهْيِ صَحِيحٌ صَرِيحٌ ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الْأَوَّلِينَ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُحْمَلَ [ عَلَى ] أَنَّهُمْ إِنَّمَا عَمِلُوا عَلَى التَّوَسُّطِ الَّذِي هُوَ مَظَنَّةُ الدَّوَامِ ، فَلَمْ يُلْزِمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا لَعَلَّهُ يُدْخِلُ عَلَيْهِمُ الْمَشَقَّةَ حَتَّى يَتْرُكُوا بِسَبَبِهِ مَا هُوَ أَوْلَى ، أَوْ يَتْرُكُوا الْعَمَلَ ، أَوْ يُبَغِّضُوهُ لِثِقَلِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، بَلِ الْتَزَمُوا مَا كَانَ عَلَى النُّفُوسِ سَهْلًا فِي حَقِّهِمْ ، فَإِنَّمَا طَلَبُوا الْيُسْرَ لَا الْعُسْرَ ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ حَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَالَ مَنْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا عَمِلُوا بِمَحْضِ السُّنَّةِ وَالطَّرِيقَةِ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الطَّبَرِيِّ فِي الْجَوَابِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 401 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي