وَمَا تَقَدَّمَ فِي السُّؤَالِ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ ؛ فَقَضَايَا أَحْوَالٍ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَامِلَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ .
( وَالثَّانِي ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا عَمِلُوا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا ، لَكِنْ لَا عَلَى جِهَةِ الِالْتِزَامِ ، لَا بِنَذْرٍ وَلَا غَيْرِهِ .
وَقَدْ يَدْخُلُ الْإِنْسَانُ فِي أَعْمَالٍ يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَيْهَا وَلَا يَشُقُّ فِي الْحَالِ ، فَيَغْتَنِمُ نَشَاطَهُ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ ؛ غَيْرَ نَاظِرٍ فِيهَا فِيمَا يَأْتِي ، وَيَكُونُ جَارِيًا فِيهِ عَلَى أَصْلِ رَفْعِ الْحَرَجِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْهُ ؛ تَرَكَهُ ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَا حَرَجَ فِي تَرْكِهِ فِي الْجُمْلَةِ .
وَيُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ؛ قَالَتْ : « كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ : لَا يُفْطِرُ ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ : لَا يَصُومُ ، وَمَا رَأَيْتُهُ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ » . . . ، الْحَدِيثَ .
فَتَأَمَّلُوا وَجْهَ اعْتِبَارِ النَّشَاطِ ، وَالْفَرَاغِ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ ، أَوِ الْقُوَّةِ فِي الْأَعْمَالِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي صِيَامِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ : " لَيْتَنِي طُوِّقْتُ ذَلِكَ " ؛ إِنَّمَا يُرِيدُ الْمُدَاوَمَةَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يُوَالِي الصِّيَامَ حَتَّى يَقُولُوا لَا يُفْطِرُ .
وَلَا يُعْتَرَضُ [ عَلَى ] هَذَا الْمَأْخَذِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنَّ قَلَّ » ، وَأَنَّ - [ - هُ ] « كَانَ عَمَلُهُ دَائِمًا » ؛ لِأَنَّهُ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 402
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٠٢