تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ ، فَرُبَّمَا جَلَسْتُ خَلْفَهُ أَبْكِي مِمَّا أَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَفْسِهِ . وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ؛ قَالَ : " غُشِيَ عَلَى مَسْرُوقٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ : أَفْطِرْ ، قَالَ : مَا أَرَدْتِ بِي ؟ قَالَتْ : الرِّفْقَ ، قَالَ : يَا بُنْيَةُ ! إِنَّمَا طَلَبْتُ الرِّفْقَ لِتَعَبِي فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ " . وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ : أَنَّهُ قَالَ : " أَتَيْتُ أُوَيْسًا الْقَرْنِيَّ ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ وَقَعَدَ ، فَقُلْتُ : لَا أَشْغَلُهُ عَنِ التَّسْبِيحِ ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتَ الصَّلَاةِ ؛ قَامَ فَصَلَّى إِلَى الظُّهْرِ ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ ، صَلَّى إِلَى الْعَصْرِ ، فَلَمَّا صَلَّى الْعَصْرَ ؛ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ إِلَى الْمَغْرِبِ ، فَلَمَّا صَلَّى الْمَغْرِبَ ؛ صَلَّى إِلَى الْعِشَاءِ ، فَلَمَّا صَلَّى الْعِشَاءَ ؛ صَلَّى إِلَى الصُّبْحِ ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ ؛ جَلَسَ ، فَأَخَذَتْهُ عَيْنُهُ ، ثُمَّ انْتَبَهَ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَيْنٍ نَوَّامَةٍ ، وَبَطْنٍ لَا تَشْبَعُ " . وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ عَنِ الْأَوَّلِينَ ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْأَخْذِ بِمَا هُوَ شَاقٌّ فِي الدَّوَامِ ، وَلَمْ يَعُدَّهُمْ أَحَدٌ بِذَلِكَ مُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ ، بَلْ عَدُّوهُمْ مِنَ السَّابِقِينَ ، جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ . وَأَيْضًا ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ لَيْسَ عَنِ الْعِبَادَةِ الْمَطْلُوبَةِ ، بَلْ هُوَ عَنِ الْغُلُوِّ فِيهَا غُلُوًا يُدْخِلُ الْمَشَقَّةَ عَلَى الْعَامِلِ ، فَإِذَا فَرَضْنَا مَنْ فُقِدَتْ فِي حَقِّهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ ؛ فَلَا يَنْتَهِضُ النَّهْيُ فِي حَقِّهِ ؛ كَمَا إِذَا قَالَ الشَّارِعُ : لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ ، وَكَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ تَشْوِيشَ الْفِكْرِ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ ؛ اطَّرَدَ النَّهْيُ مَعَ كُلِّ مُشَوِّشٍ ، وَانْتَفَى عِنْدَ انْتِفَائِهِ ، حَتَّى إِنَّهُ مُنْتَفٍ مَعَ وُجُودِ الْغَضَبِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ ، وَهَذَا صَحِيحٌ جَارٍ عَلَى الْأُصُولِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 400 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي