فَإِنَّ أَبَيْتُمْ هَذَا الدَّلِيلَ بِسَبَبِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ - وَلِذَلِكَ كَانَ رَبُّهُ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ - وَكَانَ يُطِيقُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا تُطِيقُهُ أُمَّتُهُ ؛ فَمَا قَوْلُكُمْ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْعَارِفِينَ بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ :
حَتَّى أَنْ بَعْضَهُمْ قَعَدَ مِنْ رِجْلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ التَّبَتُّلِ .
وَصَارَتْ جَبْهَةُ بَعْضِهِمْ كَرُكْبَةِ الْبَعِيرِ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ ؟
وَجَاءَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ يَقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنَ كُلَّهُ " .
وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ صَلَّى الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ كَذَا كَذَا سَنَةً ، وَسَرَدَ الصِّيَامَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً ، وَكَانُوا هُمُ الْعَارِفِينَ بِالسُّنَّةِ ، لَا يَمِيلُونَ عَنْهَا لَحْظَةً .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّهُمَا كَانَا يُوَاصِلَانِ الصِّيَامَ .
وَأَجَازَ مَالِكٌ - وَهُوَ إِمَامٌ فِي الِاقْتِدَاءِ - صِيَامَ الدَّهْرِ ؛ يَعْنِي : إِذَا أَفْطَرَ أَيَّامَ الْعِيدِ .
وَمِمَّا يُحْكَى عَنْ أُوَيْسٍ الْقَرْنِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَيَقُولُ : " بَلَغَنِي أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا سُجُودًا أَبَدًا . . . " ؛ يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَنَفَّلُ بِالصَّلَاةِ ، فَتَارَةً يُطَوِّلُ فِيهَا الْقِيَامَ ، وَتَارَةً الرُّكُوعَ ، وَتَارَةً السُّجُودَ .
وَعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ : أَنَّهُ كَانَ يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي الصَّوْمِ وَالْعِبَادَةِ حَتَّى يَخْضَرَّ جَسَدُهُ وَيَصْفَرَّ ، فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ لَهُ : وَيْحَكَ ! لِمَ تُعَذِّبْ هَذَا الْجَسَدَ ؟ فَيَقُولُ : " إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ ، إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ " .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ امْرَأَةَ مَسْرُوقٍ قَالَتْ : " كَانَ يُصَلِّي حَتَّى
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 399
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٩٩