وَفِي آيَةِ الْحَدِيدِ : { فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ } [ الحديد : 27 ] ، وَلَا يَكُونُ الْأَجْرُ إِلَّا عَلَى مَطْلُوبٍ شَرْعًا .
فَتَأَمَّلُوا هَذَا الْمَعْنَى ، فَهُوَ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ ، وَبِهِ يَرْتَفِعُ إِشْكَالُ التَّعَارُضِ الظَّاهِرِ لِبَادِيَ الرَّأْيِ ، حَتَّى تَنْتَظِمَ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ وَسِيَرُ مَنْ تَقَدَّمَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
غَيْرَ أَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَهَا إِشْكَالَانِ قَوِيَّانِ ، وَبِالنَّظَرِ فِي الْجَوَابِ عَنْهُمَا يَنْتَظِمُ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ عَلَى تَمَامِهِ ، فَنَعْقِدُ فِي كُلِّ إِشْكَالٍ فَصْلًا .
[ فَصْلٌ الرَّدُّ عَلَى إِشْكَالِ أَنَّ الْأَدِلَّةَ عَلَى كَرَاهِيَةِ الِالْتِزَامَاتِ الَّتِي يَشُقُّ دَوَامُهَا مُعَارَضٌ بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافِهِ ]
فَصْلٌ
( الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ ) : إِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى كَرَاهِيَةِ الِالْتِزَامَاتِ الَّتِي يَشُقُّ دَوَامُهَا مُعَارَضٌ بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافِهِ :
فَقَدَ « كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ ، فَيُقَالُ لَهُ : أَوْ لَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ فَيَقُولُ : أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ؟ ! » .
« وَيَظَلُّ الْيَوْمَ الطَّوِيلَ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ صَائِمًا » .
« وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَاصِلُ الصِّيَامَ وَيَبِيتُ عِنْدَ رَبِّهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ » . . . . .
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ اجْتِهَادِهِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ . وَفِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالتَّأَسِّي .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 398
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٩٨