فِي نَافِلَةٍ قَصْدًا لِلتَّعَبُّدِ بِهَا ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ جَارٍ عَلَى مُقْتَضَى أَدِلَّةِ النَّدْبِ .
وَلِذَلِكَ أُمِرَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ بِالْوَفَاءِ ، كَانَ نَذْرًا أَوِ الْتِزَامًا بِالْقَلْبِ غَيْرَ نَذْرٍ ، وَلَوْ كَانَ بِدْعَةً دَاخِلَةً فِي حَدِّ الْبِدْعَةِ ؛ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْوَفَاءِ ، وَلَكَانَ عَمَلُهُ بَاطِلًا .
وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ ، فَقَالَ : " مَا بَالُ هَذَا ؟ " ، فَقَالُوا : نَذَرَ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَجْلِسَ وَيَصُومَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مُرُوهُ فَلْيَجْلِسْ وَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ » .
فَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ أَبْطَلَ عَلَيْهِ التَّبَدُّعَ بِمَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ أَلْبَتَّةَ ، وَأَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الْأَصْلِ ، فَلَوْلَا [ أَنَّ ] لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى ؛ لَمْ يَكُنْ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى مَفْهُومٌ .
وَأَيْضًا ؛ فَإِذَا كَانَ الدَّاخِلُ مَأْمُورًا بِالدَّوَامِ ؛ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الدُّخُولُ طَاعَةً ، بَلْ لَا بُدَّ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ - فَضْلًا عَنِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ - لَا يُؤْمَرُ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ ، وَلَا نَظِيرَ لِذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ .
وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ » .
وَلِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَ مَنْ أَوْفَى بِنَذْرِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } [ الإنسان : 7 ] فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَتَرْتِيبِ الْجَزَاءِ الْحَسَنِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 397
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٩٧