تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
إِلَيْهِمْ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّكَلُّفِ وَالْمُبَاهَاةِ ، وَلَمْ يَقْصَدْ بِذَلِكَ بِدْعَةً وَلَا امْتِيَازًا ؛ لِفِرْقَةٍ تَخْرُجُ بِأَفْعَالِهَا وَأَقْوَالِهَا عَنِ السُّنَّةِ ؛ فَلَا شَكَّ فِي اسْتِحْسَانِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ الْمَأْدُبَةِ الْمَقْصُودِ بِهَا حُسْنُ الْعِشْرَةِ بَيْنَ الْجِيرَانِ وَالْإِخْوَانِ ، وَالتَّوَدُّدِ بَيْنَ الْأَصْحَابِ ، وَهِيَ فِي حُكْمِ الِاسْتِحْبَابِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَذَاكُرٌ فِي عِلْمٍ أَوْ نَحْوِهِ ؛ فَهِيَ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْخَيْرِ . وَمِثَالُ مَا يُحْكَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُنَيْفٍ ؛ قَالَ : " دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْقَاضِي عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ ، فَقَالَ لِي : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ أَيُّهَا الْقَاضِي ، قَالَ : هَاهُنَا ( أَحْكِي ) لَكُمْ حِكَايَةً تَحْتَاجُ ( أَنْ ) تَكْتُبَهَا بِمَاءِ الذَّهَبِ ، فَقُلْتُ : أَيُّهَا الْقَاضِي ! أَمَّا الذَّهَبُ ؛ فَلَا أَجِدُهُ ، وَلَكِنِّي أَكْتُبُهَا بِالْحِبْرِ الْجَيِّدِ . فَقَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : إِنَّ الْحَارِثَ الْمُحَاسَبِيَّ يَتَكَلَّمُ فِي عُلُومِ الصُّوفِيَّةِ وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالْآيِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ كَلَامَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ ، فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا أَجْمَعُكَ مَعَهُ ، فَاتَّخَذَ دَعْوَةً ، وَدَعَا الْحَارِثَ وَأَصْحَابَهُ وَدَعَا أَحْمَدَ ، فَجَلَسَ بِحَيْثُ يَرَى الْحَارِثَ ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ ، وَأَحْضَرَ الطَّعَامَ ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا مِنَ السُّنَّةِ . فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ وَغَسَلُوا أَيْدِيَهُمْ ؛ جَلَسَ الْحَارِثُ وَجَلَسَ أَصْحَابُهُ ، فَقَالَ : مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْأَلَ شَيْئًا ؛ فَلْيَسْأَلْ ، فَسُئِلَ عَنِ الْإِخْلَاصِ ، وَعَنِ الرِّيَاءِ ، وَمَسَائِلَ كَثِيرَةٍ ، فَاسْتَشْهَدَ بِالْآيِ وَالْحَدِيثِ ، وَأَحْمَدُ يَسْمَعُ لَا يُنْكِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .