تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
وَيَلِينُ لَهَا الْجِلْدُ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَاجَدُونَ عِنْدَهُ التَّوَاجُدَ الْمَحْمُودَ ، فَسَمَاعُ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ سَمَاعٌ ، وَكَذَلِكَ سَمَاعُ السُّنَّةِ وَكَلَامُ الْحُكَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ حَتَّى أَصْوَاتُ الطَّيْرِ وَخَرِيرُ الْمَاءِ وَصَرِيرُ الْبَابِ ، وَمِنْهُ سَمَاعُ الْمَنْظُورِ أَيْضًا إِذَا أَعْطَى حِكْمَةً ، وَلَا يَسْتَمِعُونَ هَذَا الْأَخِيرَ إِلَّا فِي الْفَرَطِ بَعْدَ الْفَرَطِ ، وَعَلَى غَيْرِ اسْتِعْدَادٍ ، وَعَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِلْذَاذِ وَالْإِطْرَابِ ، وَلَا هُمْ مِمَّنْ يَدُومُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَّخِذُهُ عَادَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَادِحٌ فِي مَقَاصِدِهِمُ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا . وَلِذَلِكَ قَالَ الْجُنَيْدُ : " إِذَا رَأَيْتَ الْمُرِيدَ يُحِبُّ السَّمَاعَ ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ فِيهِ بَقِيَّةً مِنَ الْبِطَالَةِ " . وَإِنَّمَا لَهُمْ مِنْ سَمَاعِهِ - إِنِ اتَّفَقَ - وَجْهُ الْحِكْمَةِ - إِنْ كَانَ فِيهِ حِكْمَةٌ - ، فَاسْتَوَى عِنْدَهُمُ النَّظْمُ وَالنَّثْرُ ، وَإِنْ أَطْلَقَ أَحَدٌ مِنْهُمُ السَّمَاعَ عَلَى الصَّوْتِ الْحَسَنِ الْمُضَافِ إِلَى شِعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ؛ فَمِنْ حَيْثُ فَهِمَ الْحِكْمَةَ لَا مِنْ حَيْثُ يُلَائِمُ الطِّبَاعَ ؛ لِأَنَّ مَنْ سَمْعِهِ مِنْ حَيْثُ يَسْتَحْسِنُهُ ؛ فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلْفِتْنَةِ ، فَيَصِيرُ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ السَّمَاعُ الْمُلِذُّ الْمُطْرِبُ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ عِنْدَهُمْ مَا تَقَدَّمَ : مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيِّ : أَنَّهُ قَالَ : " مَنِ ادَّعَى السَّمَاعَ وَلَمْ يَسْمَعْ صَوْتَ الطَّيْرِ وَصَرِيرَ الْبَابِ وَتَصْفِيقَ الرِّيَاحِ ؛ فَهُوَ مُفْتَرٍ مُبْتَدِعٌ " . وَقَالَ الْحُصَرِيٌّ : " أَيْشٍ أَعْمَلُ بِسَمَاعٍ يَنْقَطِعُ مِمَّنْ يَسْمَعُ مِنْهُ ؟ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَمَاعُكَ سَمَاعًا مُتَّصِلًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ " . وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَالِمٍ ؛ قَالَ : " خَدَمْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيَّ سِنِينَ ، فَمَا رَأَيْتُهُ تَغَيَّرَ عِنْدَ سَمَاعِ شَيْءٍ يَسْمَعُهُ مِنَ الذِّكْرِ أَوِ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ ،