تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
فَلَمَّا مَضَى هَدْيٌ مِنَ اللَّيْلِ ؛ أَمْرَ الْحَارِثُ قَارِئًا يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى الْحَدْوِ ، فَقَرَأَ ، فَبَكَى بَعْضُهُمْ ، وَانْتَخَبَ آخَرُونَ ، ثُمَّ سَكَتَ الْقَارِئُ ، فَدَعَا الْحَارِثُ بِدَعَوَاتٍ خِفَافٍ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ . فَلَمَّا أَصْبَحُوا ؛ قَالَ أَحْمَدُ : قَدْ كَانَ بَلَغَنِي أَنَّ هَاهُنَا مَجَالِسَ لِلذِّكْرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْ تِلْكَ الْمَجَالِسِ ؛ فَلَا أُنْكِرُ مِنْهَا شَيْئًا . فَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ أَنَّ أَحْوَالَ الصُّوفِيَّةِ تُوزَنُ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ ، وَأَنَّ مَجَالِسَ الذِّكْرِ لَيْسَتْ مَا زَعَمَ هَؤُلَاءِ ، بَلْ مَا تَقَدَّمَ لَنَا ذِكْرُهُ ، وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا اعْتَادُوهُ ؛ فَهُوَ مِمَّا يُنْكَرُ . وَالْحَارِثُ الْمُحَاسَبِيُّ مِنْ كِبَارِ الصُّوفِيَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ . فَإِذًا ؛ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُجِيبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ ، إِذْ بَايَنُوا الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَالْأَمْثِلَةُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ ، لَوْ تُتُبِّعَتْ ؛ لَخَرَجْنَا عَنِ الْمَقْصُودِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا أَمْثِلَةً تُبَيِّنُ مِنَ اسْتِدْلَالَاتِهِمُ الْوَاهِيَةِ مَا يُضَاهِيهَا ، وَحَاصِلُهَا الْخُرُوجُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْضَحَهُ الْعُلَمَاءُ ، وَبَيَّنَهُ الْأَئِمَّةُ ، وَحَصَرَ أَنْوَاعَهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ . وَمَنْ نَظَرَ إِلَى طُرُقِ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي الِاسْتِدْلَالِ ؛ عَرَفَ أَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ ؛ لِأَنَّهَا سَيَّالَةٌ لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ ، وَعَلَى ( كُلِّ ) وَجْهٍ يَصِحُّ لِكُلِّ زَائِغٍ وَكَافِرٍ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى زَيْغِهِ وَكُفْرِهِ حَتَّى يَنْسِبَ النِّحْلَةَ الَّتِي الْتَزَمَهَا إِلَى الشَّرِيعَةِ . فَقَدْ رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا عَنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى كُفْرِهِ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ ،
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 363 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي