تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ؛ قُرِئَ بَيْنَ يَدَيْهِ : { فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ } [ الحديد : 15 ] ، تَغَيَّرَ وَارْتَعَدَ وَكَادَ يَسْقُطُ ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى حَالِ صَحْوِهِ ؛ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : يَا حَبِيبِي ضَعُفْنَا " . وَقَالَ السُّلَمِيُّ : " دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيِّ وَوَاحِدٌ يَسْتَقِي الْمَاءَ مِنَ الْبِئْرِ عَلَى بَكْرَةٍ ، فَقَالَ لِي : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ! تَدْرِي أَيْشٍ تَقُولُ هَذِهِ الْبَكْرَةُ ؟ فَقُلْتُ : لَا . فَقَالَ : تَقُولُ اللَّهُ ، اللَّهُ . فَهَذِهِ الْحِكَايَاتُ وَأَشْبَاهُهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ عِنْدَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُؤْثِرُونَ سَمَاعَ الْأَشْعَارِ عَلَى غَيْرِهَا ؛ فَضْلًا عَلَى أَنْ يَتَصَنَّعُوا فِيهَا بِالْأَغَانِي الْمُطْرِبَةِ . وَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ ، وَبَعُدُوا عَنْ أَحْوَالِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ؛ أَخَذَ الْهَوَى فِي التَّفْرِيعِ فِي السَّمَاعِ ، حَتَّى صَارَ يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ الْمَصْنُوعُ عَلَى قَانُونِ الْأَلْحَانِ ، فَتَعَشَّقَتْ بِهِ الطِّبَاعُ ، وَكَثُرَ الْعَمَلُ بِهِ وَدَامَ - وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ بِهِ الرَّاحَةَ فَقَطْ - ؛ فَصَارَ قَذًى فِي طَرِيقِ سُلُوكِهِمْ ، فَرَجَعُوا بِهِ الْقَهْقَرَى ، ثُمَّ طَالَ الْأَمَدُ حَتَّى اعْتَقَدَهُ الْجُهَّالُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَمَا قَارَبَهُ أَنَّهُ قُرْبَةٌ ، وَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ طَرِيقَةِ التَّصَوُّفِ ، وَهُوَ الْأَدْهَى . وَقَوْلُ الْمُجِيبِ : " وَأَمَّا مَنْ دَعَا طَائِفَةً إِلَى مَنْزِلِهِ ؛ فَتُجَابُ دَعْوَتُهُ ، وَلَهُ ( فِي دَعْوَتِهِ ) قَصْدُهُ " ؛ مُطَابِقٌ بِحَسَبِ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا : بِأَنَّ مَنْ دَعَا قَوْمًا إِلَى مَنْزِلِهِ لِتَعَلُّمِ آيَةٍ أَوْ سُورَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، أَوْ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ مُذَاكَرَةٍ فِي عِلْمٍ أَوْ فِي نِعَمِ اللَّهِ ، أَوْ مُؤَانَسَةٍ فِي شِعْرٍ فِيهِ حِكْمَةٌ لَيْسَ فِيهِ غِنَاءٌ مَكْرُوهٌ وَلَا صَحِبَهُ شَطْحٌ وَلَا زِفْنٌ وَلَا صِيَاحٌ ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ ، ثُمَّ أَلْقَى