لَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ مِنْ تِلْكَ الْآثَارِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ انْزِعَاجٌ بِقِيَامٍ أَوْ دَوَرَانٍ أَوْ شَطْحٍ أَوْ صِيَاحٍ أَوْ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ .
وَسَبَبُهُ أَنِ الَّذِي حَلَّ بِبَاطِنِهِ لَيْسَ بِالرِّقَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا ، بَلْ هُوَ الطَّرَبُ الَّذِي يُنَاسِبُ الْغِنَاءَ ؛ لِأَنَّ الرِّقَّةَ ضِدُّ الْقَسْوَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَالطَّرَبُ ضِدُّ الْخُشُوعِ - كَمَا يَقُولُهُ الصُّوفِيَّةُ - ؛ وَالطَّرَبُ مُنَاسِبٌ لِلْحَرَكَةِ ؛ لِأَنَّهُ ثَوَرَانُ الطِّبَاعِ ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَكَ فِيهِ مَعَ الْإِنْسَانِ الْحَيَوَانُ ؛ كَالْإِبِلِ وَالنَّحْلِ ، وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ مِنَ الْأَطْفَالِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَالْخُشُوعُ ضِدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى السُّكُونِ ، وَقَدْ فُسِّرَ بِهِ لُغَةً ؛ كَمَا فُسِّرَ الطَّرَبُ بِأَنَّهُ خِفَّةٌ تَصْحَبُ الْإِنْسَانَ مِنْ حُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ .
قَالَ الشَّاعِرُ :
طَرَبَ الْوَالِهِ أَوْ كَالْمُخْتَبَلِ
وَالتَّطْرِيبُ : مَدُّ الصَّوْتِ وَتَحْسِينُهُ .
وَبَيَانُهُ : أَنَّ الشِّعْرَ الْمُغَنَّى بِهِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أَمْرَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : مَا فِيهِ ( مِنَ ) الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْقُلُوبِ ، فَفِيهَا تَعْمَلُ ، وَبِهَا تَنْفَعِلُ ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُنْسَبُ السَّمَاعُ إِلَى الْأَرْوَاحِ .
وَالثَّانِي : مَا فِيهِ مِنَ النَّغَمَاتِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى النِّسَبِ التَّلْحِينِيَّةِ ، وَهُوَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 358
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٥٨