تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَنْبَنِي النَّظَرُ فِي حَقِيقَةُ الرِّقَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهِيَ الْمُحَرِّكَةُ لِلظَّاهِرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّقَّةَ ضِدُّ الْغِلَظِ ، فَنَقُولُ : هَذَا رَقِيقٌ لَيْسَ بِغَلِيظٍ ، وَمَكَانٌ رَقِيقٌ إِذَا كَانَ لَيِّنَ التُّرَابِ ، وَضِدُّهُ الْغَلِيظُ ، فَإِذَا وُصِفَ بِذَلِكَ الْقَلْبُ ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى لِينِهِ وَتَأَثُّرِهِ ، ضِدُّ الْقَسْوَةِ . وَيَشْعُرُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [ الزمر : 23 ] ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ الرَّقِيقَ ؛ إِذَا أُورِدَتْ عَلَيْهِ الْمَوْعِظَةُ ؛ خَضَعَ لَهَا وَلَانَ وَانْقَادَ . وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الأنفال : 2 ] . فَإِنَّ الْوَجَلَ تَأَثُّرٌ وَلِينٌ يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ بِسَبَبِ الْمَوْعِظَةِ ، فَتَرَى الْجِلْدَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَقْشَعِرُّ ، وَالْعَيْنَ تَدْمَعُ ، وَاللِّينُ إِذَا حَلَّ بِالْقَلْبِ - وَهُوَ بَاطِنُ الْإِنْسَانِ - حَلَّ بِالْجِلْدِ بِشَهَادَةِ اللَّهِ - وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِنْسَانِ - ؛ فَقَدْ حَلَّ الِانْفِعَالُ بِمَجْمُوعِ الْإِنْسَانِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي السُّكُونَ لَا الْحَرَكَةَ ، وَالِانْزِعَاجَ وَالسُّكُونَ لَا الصِّيَاحَ ، وَهِيَ حَالَةُ السَّلَفِ الْأَوَّلِينَ - كَمَا تَقَدَّمَ - . فَإِذَا رَأَيْتَ أَحَدًا سَمِعَ مَوْعِظَةً أَيَّ مَوْعِظَةٍ كَانَتْ ؛ فَيَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَثَرِ مَا ظَهَرَ عَلَى السَّلَفِ الصَّالِحِ ؛ عَلِمْتَ أَنَّهَا رِقَّةٌ هِيَ أَوَّلُ الْوَجْدِ ، وَأَنَّهَا صَحِيحَةٌ لَا اعْتِرَاضَ فِيهَا . وَإِذَا رَأَيْتَ أَحَدًا سَمِعَ مَوْعِظَةً قُرْآنِيَّةً أَوْ سُنِّيَّةً أَوْ حِكْمِيَّةً ؛ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْآثَارِ شَيْءٌ ، حَتَّى يَسْمَعَ شِعْرًا مُرَنَّمًا أَوْ غِنَاءً مُطْرِبًا فَتَأَثَّرَ ؛ فَإِنَّهُ