تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ تَحْرِيمُهَا فِي الْقُرْآنِ نَصًّا ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُمْ مِنْ أَنْظَارِ عُقُولِهِمْ مَا اسْتَحْسَنُوا .
وَالظَّنُّ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا غَيْرُ مَا زَعَمُوا ، وَقَدْ وَجَدْنَا لَهُ مَحَالًّا ثَلَاثَةً :
أَحَدُهَا : الظَّنُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُغْنِي عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِاحْتِمَالِهِ النَّقِيضَ عِنْدَ الظَّانِّ ؛ بِخِلَافِ الظَّنِّ فِي الْفُرُوعِ ؛ فَإِنَّهُ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ ؛ لِلدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى عَمَلِهِ ، فَكَانَ الظَّنُّ مَذْمُومًا إِلَّا مَا تَعَلَّقَ بِالْفُرُوعِ مِنْهُ ، وَهَذَا صَحِيحٌ ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الظَّنَّ هُنَا هُوَ تَرْجِيحُ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُرَجِّحٍ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَذْمُومٌ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ مِنَ التَّحَكُّمِ ، وَلِذَلِكَ أُتْبِعَ فِي الْآيَةِ بِهَوَى النَّفْسِ فِي قَوْلِهِ : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ فَكَأَنَّهُمْ مَالُوا إِلَى أَمْرٍ بِمُجَرَّدِ الْغَرَضِ وَالْهَوَى ، لَا بِاتِّبَاعِ الْهُدَى الْمُنَبِّهِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } [ النجم : 23 ] ، وَلِذَلِكَ أَثْبَتَ ذَمَّهُ ؛ بِخِلَافِ الظَّنِّ الَّذِي أَثَارَهُ دَلِيلٌ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْجُمْلَةِ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى ، وَلِذَلِكَ أُثْبِتَ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ حَيْثُ يَلِيقُ الْعَمَلُ بِمِثْلِهِ ؛ كَالْفُرُوعِ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ الظَّنَّ عَلَى ضَرْبَيْنِ :
ظَنٌّ يَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ ، وَهَذِهِ هِيَ الظُّنُونُ الْمَعْمُولُ بِهَا فِي الشَّرِيعَةِ أَيْنَمَا وَقَعَتْ ؛ لِأَنَّهَا اسْتَنَدَتْ إِلَى أَصْلٍ مَعْلُومٍ ، فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ الْمَعْلُومِ جِنْسُهُ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 299
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٩٩