عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ السُّنَّةِ ، فَيُلْقِي لَهُ صَاحِبُ الْهَوَى فِيهِ هَوًى مِمَّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ لَا أَصْلَ لَهُ ، أَوْ يَزِيدُ لَهُ فِيهِ قَيْدًا مِنْ رَأْيِهِ ، فَيَقْبَلُهُ قَلْبُهُ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ يَعْرِفُهُ ; وَجَدَهُ مُظْلِمًا ; فَإِمَّا أَنْ يَشْعُرَ بِهِ ; فَيَرُدَّهُ بِالْعِلْمِ ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَشْعُرَ بِهِ ; فَيَمْضِيَ مَعَ مَنْ هَلَكَ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : " وَسَمِعْتُ مَالِكًا إِذْ جَاءَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَقُولُ : أَمَّا أَنَا ; فَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَأَمَّا أَنْتَ فَشَاكٌّ ، فَاذْهَبْ إِلَى شَاكٍّ مِثْلِكَ فَخَاصِمْهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } [ يوسف : 108 ]
. فَهَذَا شَأْنُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ تَمْكِينِ زَائِغِ الْقَلْبِ أَنْ يُسْمِعَ كَلَامَهُ .
وَمَثَلُ رَدِّهِ بِالْعِلْمِ : جَوَابُهُ لِمَنْ سَأَلَهُ فِي قَوْلِهِ : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] كَيْفَ اسْتَوَى ؟ فَقَالَ لَهُ : " الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ ، وَأَرَاكَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ " ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ السَّائِلِ .
وَمَثَلُ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَى رَدِّهِ : مَا حَكَى الْبَاجِيُّ ; قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : " كَانَ يُقَالُ : لَا تُمَكِّنْ زَائِغَ الْقَلْبِ مِنْ أُذُنِكَ ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا يَعْلَقُكَ مِنْ ذَلِكَ " .
وَلَقَدْ سَمِعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ شَيْئًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْقَدَرِ ، فَعَلِقَ قَلْبُهُ ، فَكَانَ يَأْتِي إِخْوَانَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْصِحُهُمْ ، فَإِذَا نَهَوْهُ ; قَالَ : " فَكَيْفَ بِمَا عَلِقَ قَلْبِي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ يَرْضَى أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي مِنْ فَوْقِ هَذِهِ الْمَنَارَةِ ; فَعَلْتُ " .
ثُمَّ حُكِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : " لَا تُجَالِسِ الْقَدَرِيَّ وَلَا تُكَلِّمْهُ ;
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 173
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٧٣