إِلَّا أَنْ تَجْلِسَ إِلَيْهِ ، فَتُغْلِظَ عَلَيْهِ ، لِقَوْلِهِ : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } [ المجادلة : 22 ] ، فَلَا تُوَادُّوهُمْ " .
[ فِتْنَةُ الْمُبْتَدِعِ ]
وَأَمَّا أَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ :
فَلِمَا حَكَى عِيَاضٌ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ : أَنَّهُ قَالَ : " سَأَلْتُ مَالِكًا عَمَّنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ ؟ فَقَالَ : هَذَا مُخَالِفٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، أَخْشَى عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَالْعَذَابَ الْأَلِيمَ فِي الْآخِرَةِ ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور : 63 ] ؟ ! وَقَدْ « أَمْرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُهَلَّ مِنَ الْمَوَاقِيتِ » " .
وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ ، قَالَ : " سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! مِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ ؟ قَالَ : مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ . فَقَالَ : لَا تَفْعَلْ ، قَالَ : فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْقَبْرِ ، قَالَ : لَا تَفْعَلْ ; فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ ، فَقَالَ : وَأَيُّ فِتْنَةٍ هَذِهِ ؟ ! إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا ، قَالَ : وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ! إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور : 63 ] .
وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَفْسِيرُ الْآيَةِ هِيَ شَأْنُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَقَاعِدَتُهُمُ الَّتِي يُؤَسِّسُونَ عَلَيْهَا بُنْيَانَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَنَّهُ نَبِيُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ مَا اهْتَدَوْا إِلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 174
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٧٤